22/08/2026
كيف ستنام الليلة العائلات هناك في بن قردان الحبيبة؟
أسأل وأنا على بُعد مئات الكيلومترات...
لكن المسافة لم تستطع أن تُبعد عن بالي صورة المركب، ولا وجوه الشباب الذين ارتقوا في لحظة هروب من العجز والفقر وانسداد الأفق.
منذ أن بلغني الخبر، وأنا أتخيل...
أتخيل أمًا تنتظر أن يُفتح الباب، وأبًا يحدّق طويلًا في هاتفه، وأخًا لا يريد أن يصدق أن الرسالة الأخيرة كانت آخر ما سيصله من شقيقه...
أتخيل بيوتًا كان يُفترض أن تستقبل أبناءها، فإذا بها تستقبل الخبر الأسود.
أتخيل بن قردان الليلة...
مدينةً كاملةً لا تعرف كيف تُخفي دموعها، ولا كيف تشرح لأمهاتها لماذا صار البحر أقرب إلى أبنائها من الحلم.
لا شيء سوى الغضب والحزن والانكسار يحاصر كل شيء، ويخنق حتى التفاصيل الصغيرة...
خذلوكِ يا بن قردان... للمرة الألف.
تناسوكِ، ولم يقدّروكِ حقّ قدركِ، ولم ينصفوكِ بما يليق بما قدّمتِه لهذا الوطن.
أنتِ حارسة الحدود، وبوابة الاقتصاد، والمدينة التي ظلت واقفةً في وجه العواصف على مرّ العهود.
أنتِ التي كتبتِ واحدةً من أنصع صفحات الصمود، يوم وقفتِ في وجه الإرهاب، وانكسر الدواعش على أرضكِ، في هبّة رجالِك ونسائِك، شبابِك وشيوخِك...
يوم كان الوطن مهددًا، كان أهلكِ في الموعد.
لم يسألوا وقتها: ماذا سنأخذ مقابل ذلك؟
لم يترددوا.
وقفوا لأن هذه الأرض أرضهم، ولأن الوطن كان يستحق أن يُدافع عنه.
ثم ماذا؟
لا شيء...
سوى مزيد من النسيان والتجاهل.
وكأن بن قردان لا تُستدعى إلا عندما يحتاجها الوطن، ثم تُترك وحدها عندما تحتاج هي إلى الوطن.
واليوم، يتفجّع أهلكِ في شبابكِ...
شبابٌ ضاقت بهم سبل الحياة، فضاق بهم الوطن، فركبوا البحر بحثًا عن نافذة صغيرة في جدارٍ كبير من اليأس.
هربوا من الفقر...
من البطالة...
من انسداد الأفق...
فوجدوا أنفسهم في مواجهة بحرٍ لا يرحم.
قوارب الموت تبتلع أبناءكِ، والبحر يغتال الأحلام بعد أن عجز الوطن عن حمايتها.
أي وجعٍ هذا؟
أن يخرج شاب من بيته بحثًا عن حياة، فتعود أخباره جثةً أو خبرًا أو اسمًا في قائمة المفقودين...
أي قسوةٍ هذه التي تجعل البحر يبدو لبعض أبنائنا أقلّ خوفًا من المستقبل؟
يا بن قردان...
كيف يُطلب من مدينةٍ أن تصمد دائمًا، بينما تُترك وحدها كلما اشتدّ عليها الوجع؟
كيف يُطلب من أهلها أن يدافعوا عن الوطن، ثم يُقابل ألمهم بالنسيان؟
كيف نطلب من الشباب أن يتمسكوا بهذه الأرض، ونحن لا نقدم لهم فيها ما يجعلهم يتمسكون بالحياة؟
اليوم، لا تحتاج بن قردان إلى خطبٍ ولا إلى بياناتٍ باردة...
لا تحتاج إلى كلماتٍ تُقال أمام الكاميرات ثم تُنسى بعد انتهاء النشرة.
تحتاج أن يسمعها الوطن.
تحتاج أن يُرى وجعها، وأن تُحفظ كرامة أهلها، وأن يُفهم أن ما يحدث ليس مجرد حادث مركب آخر، ولا مجرد أرقام جديدة تضاف إلى قائمة ضحايا البحر.
إنها أرواح شباب.
أبناء عائلات.
أحلام آباء وأمهات.
وطنٌ صغيرٌ اسمه بن قردان، يدفع كل يوم فاتورةً باهظة من عمر أبنائه.
ويبقى السؤال الذي يؤلم أكثر من كل الكلمات:
إلى متى يبقى أبناء بن قردان يدفعون ثمن التهميش من أعمارهم وأحلامهم وأرواحهم؟
وإلى متى ننتظر أن يأخذ البحر أبناءنا، حتى نكتشف أن وراء كل قارب قصةً، ووراء كل ضحية عائلةً، ووراء كل مأساة وطنًا كان يمكن أن يفعل شيئًا؟
الرحمة لمن ارتقوا...
والصبر لعائلاتهم التي ستنام الليلة على وجعٍ لا يشبه أي وجع.
والقوة لبن قردان...
لبن قردان التي دافعت عن الوطن حين كان الوطن في حاجة إليها، والتي آن لها أن تجد الوطن إلى جانبها حين تحتاج هي إليه.
نامي إن استطعتِ يا بن قردان...
ففي هذه الليلة، هناك أمهات لن تنام.