23/06/2026
كي يتذكر الواحد جومين، أول حاجة تجي في بالو هي الفلاحة والغابات والسد ولا المنجم...أما الحقيقة اللي ما يعرفهاش برشة ناس، أن جومين عندها تاريخ أقدم ببرشة من المعتمدية ومن الدولة الحديثة وحتى من العهد الروماني. المنطقة هاذي كانت مجال استقرار بشري متواصل عبر آلاف السنين، ومازالت أرضها وجبالها تخبي شواهد أثرية كبيرة ما خذاتش حقها من الدراسة والتنقيب.
جومين موش مجرد منطقة فلاحية، بل هي جزء من المجال الحضاري القديم لشمال إفريقيا، والدليل موجود في البازينات والحوانيت والمواقع الأثرية المنتشرة في رواحة والقواسمية وجبل الليل والهنشير وغيرها من المناطق.
أصل تسمية جومين
يرجع اسم جومين حسب الرواية المحلية والأصل اللغوي الأمازيغي إلى كلمة "أجومان"، واللي معناها الأرض الخصبة.
والمعنى هذا ينسجم تمامًا مع طبيعة المنطقة عبر التاريخ:
_سهول واسعة صالحة للزراعة.
_وفرة المياه والعيون والأودية.
_غطاء غابي مهم.
_نشاط فلاحي متواصل منذ أقدم العصور.
وهذا موش استثناء، خاطر برشة مناطق في شمال تونس حافظت على أسمائها الأمازيغية القديمة رغم تعاقب الحضارات واللغات.
كيف ما مدينة ماطر حافظت على اسم قريب من "ماطارا" المعروف منذ العصور القديمة، جومين زادة هنا تكون حافظت على أصلها الأمازيغي عبر القرون.
جومين قبل الرومان
قبل وصول الرومان، كانت المنطقة جزءًا من المجال النوميدي الأمازيغي.
السكان الأصليون للبلاد استغلوا الأراضي الخصبة والمرتفعات والمياه المتوفرة في المنطقة وأسّسوا تجمعات بشرية مستقرة.
والشواهد الموجودة اليوم تدل على أن النشاط البشري في جومين ما بداش مع الرومان، بل يرجع لفترات أقدم برشة.
البازينات: أقدم شاهد على الاستقرار البشري
من أهم المعالم الموجودة في جومين البازينات المنتشرة خاصة في بعض المرتفعات والجبال.
البازينة هي ضريح جنائزي أمازيغي يرجع غالبًا للفترة النوميدية.
وجود البازينات يدل على:
_وجود سكان مستقرين.
_تنظيم اجتماعي واضح.
_طقوس دفن متطورة.
_ارتباط السكان بالأرض عبر أجيال متعاقبة.
وهذا ينفي فكرة أن المنطقة كانت مجرد مجال رعوي أو فضاء عبور.
الحوانيت: المقابر المنحوتة في الصخر
من الشواهد المهمة زادة وجود الحوانيت في جبال جومين.
الحانوت هو قبر محفور مباشرة داخل الصخر، وهي ظاهرة معروفة في الشمال التونسي وترجع لفترات قديمة قبل الرومان تقريبا العهد البرنزي .
وجود الحوانيت في:
_جبال القواسمية.
_جبل الليل.
_بعض المرتفعات المحيطة.
يدل على أن المنطقة كانت آهلة بالسكان وتعرف استقرارًا دائمًا.
كما يكشف عن وجود تقاليد جنائزية متطورة عند السكان القدامى.
القواسمية وجبل الليل: جبال مازالت تخبي أسرارها
تعتبر جبال القواسمية وجبل الليل من أغنى المناطق الأثرية في جومين.
ورغم محدودية الدراسات العلمية المنجزة فيها، فإن المعاينات الميدانية والشواهد المنتشرة فوق السطح تشير إلى وجود:
_بقايا منشآت قديمة.
_أحجار منحوتة.
_فخار أثري.
_مواقع دفن.
_آثار استيطان بشري قديم.
الكثير من هذه المواقع مازال ينتظر تنقيبات علمية قادرة على كشف تاريخها الحقيقي.
الهنشير: مدينة مدفونة تحت الأرض
من أكثر المناطق إثارة للاهتمام في جومين منطقة الهنشير.
وفي تونس عمومًا، كلمة "هنشير" كثيرًا ما ترتبط بالمواقع الأثرية القديمة.
في أغلب الأحيان تلقى في الهنشير:
أساسات مبانٍ قديمة.
بقايا جدران.
فخار متناثر.
حجارة أثرية معاد استعمالها.
وهذا يخلي الباحثين يعتبروا أن التسمية نفسها قد تكون دليلًا على وجود موقع أثري قديم.
المدن المدفونة تحت تراب جومين
من أهم الملاحظات اللي يلاحظها أبناء المنطقة والمهتمين بتاريخها أن الأرض في بعض المواقع تخفي آثارًا كثيفة تحت سطحها.
ففي عدة مناطق من جومين، تنتشر فوق الأرض:
-شظايا الفخار القديم.
_الحجارة المنحوتة.
_بقايا الأساسات.
_القطع الأثرية المتفرقة.
وهذا يعزز فرضية وجود تجمعات سكنية قديمة مازال جزء كبير منها مطمورًا تحت التربة.
ومع تعاقب القرون تراكمت الأتربة بفعل:
الفيضانات.
الانجرافات الطبيعية.
النشاط الفلاحي.
النشاط العمراني
انهيار المباني القديمة.
لذلك من الممكن أن تخفي بعض المواقع بقايا أحياء أو قرى أو منشآت كاملة لم يتم اكتشافها بعد.
رواحة: شاهد حي على عمق التاريخ
تحتفظ رواحة بعدة شواهد أثرية لافتة للنظر.
ومن أبرزها المعالم الحجرية الموجودة فوق المرتفعات، والتي يرجح أنها مرتبطة بفترات قديمة من تاريخ المنطقة.
اختيار المرتفعات لبناء هذه المنشآت لم يكن عشوائيًا، بل كان تقليدًا معروفًا عند الشعوب القديمة لتأكيد الحضور الرمزي والاجتماعي للعائلات والقبائل.
وجود هذه المعالم يؤكد أن رواحة كانت جزءًا من المجال الحضاري القديم للشمال التونسي.
أهمية جومين الأثرية
إذا جمعنا كل هذه الشواهد مع بعضها:
#البازينات.
#الحوانيت.
مواقع الهنشير:
رواحة.
القواسمية.
جبل الليل.
نلقاو رواحنا أمام منطقة أثرية كبيرة مازال جانب مهم من تاريخها مجهول.
وهذا يجعل جومين واحدة من أغنى المناطق الأثرية غير المدروسة بالشكل الكافي في ولاية بنزرت.
أخيراا
جومين ليست مجرد معتمدية حديثة ولا مجرد منطقة فلاحية معروفة بخصوبة أراضيها. هي مجال حضاري قديم حافظ على اسمه النوميدي وعلى جزء من ذاكرته التاريخية عبر آلاف السنين.
البازينات والحوانيت والمواقع المنتشرة في القواسمية وجبل الليل ورواحة والهنشير تشهد على وجود استقرار بشري قديم سبق العهد الروماني واستمر خلاله وبعده.
ورغم ما تم اكتشافه إلى اليوم، يبقى الجزء الأكبر من تاريخ جومين مدفونًا تحت الأرض، في انتظار دراسات وتنقيبات علمية تكشف ما تخفيه هذه الربوع من أسرار وحضارات مازالت آثارها حاضرة في ذاكرة المكان.