21/02/2024
التعليم مهنة شاقة. التعليم وفق المناشير واللوائح وضوابط الوظيفة العمومية وقوانين مجلة حقوق الطفل و في إطار عولمة الحقوق والحريات أصبح " مهنة " امتهان وترذيل للمربي قبل كل شيء....
ومع ذلك فنحن ما زلنا مرابطين على أعتاب شغل لا نحفظ به كرامتنا وعلى مشارف مجتمع لا يتورع عن مضع لحمنا نيئا في المقاهي والمجالس وعن مهاجمتنا في مقر عملنا وتعمد اهانتنا وتعنيفنا على مرأى ومسمع من جميع " اللوائح والقوانين " التي تثأر لكرامة طفل خدشتها ملاحظة المعلم ولا تغضب لكرامة معلم ضرب بها جاهل عرض الحائط. ولا سلامة معلم عبثت بها السكاكين والسواطير.
التعليم في تونس " مهنة " تهين إنسانية المعلم وتحبط عزائمه وتنهك قواه وتدمر صحته وتضعف عقله. ومع ذلك نحن صابرون على أذى قوانين جائرة ونقابة حائرة ومؤسسات خائرة وبشاعات من جميع الجهات سافرة .
قلة قليلة من الناس تعترف بفضل المربي على المجتمع وتكافىء تفانيه في عمله وجهاده الشاق بخطاب مواساة لا ينتظر غيره ليرتق همته المهترئة إحباطا، ويرقع عزيمته الخائرة ترذيلا .
ترى ماذا يريد الناس من المربي؟
أن يكون رسولا يرعى الإبل ويقنع بتمرة في إفطاره وشربة ماء بعد صيامه ؟
أن يكون نبيئا يدير لك خده الأيمن بعد أن تصفعه على الأيسر؟
أن يكون ملكا من ملائكة الرحمة يحمل بين جناحيه الخير والسعادة للجميع دون أن يأكل مما يأكل منه الناس ولا يشرب؟
بل ماذا تريد القوانين من رجل التعليم ؟
لماذا تأبى إطلاق سراحه من سجن مؤبد حكمت به محكمة الظروف وسنوات الغفلة؟.
لماذا تُصرُّتلك القوانين على رفع سن التقاعد الى 62 سنة ؟ وهي تعلم علم اليقين أن العالم المتقدم يصنف مهنة التعليم مهنة شاقة بعد المناجم؟
ثم من الذي حدد سلم التأجير في الوظيفة العمومية فجعل المربي في قاع السلم؟
لماذا لا تنظر تلك القوانين بعين العدالة الى الظروف المهينة التي مارس ( ويمارس ) فيها المربي عمله ؟
لماذا تنسى القوانين أن المربي لا يملك في مقر عمله مكتبا فخما مكيفا ولا كرسيا دوارا ولا حاسوبا ؟ وأنه يجلس على ما يشبه المقعد (إن جلس ) وأمامه طاولة لا يتخذها بائع متجول مصطبة لعرض بضاعته؟ وأنه لا يصطحب معه الى القسم لمجته وقهوته وعلبة سجائره ليأكل ويشرب ويدخن دون ازعاج؟وأنه لا يقطع الدرس ليخرج الى قضاء شأن من شؤونه؟ وأنه يزاول عمله في قسم نوافذه مشرعة على برد الشتاء وقيظ الصيف وجدرانه آيلة للسقوط؟
لماذا تنسى تلك القوانين أن المعلم لا ينعم بعطلة الا ليزور الطبيب بسبب امراض التعليم المزمنة ؟.وانه لايتبقى له من راتبه ما يزور به المدن الساحلية او القرى الجبلية او المحطات الاستشفائية كما يتصور العامة؟
لماذا تتغافل القوانين عن عودة جميع الموظفين إلى بيوتهم للراحة بعد كل دوام بينما يعود المعلم الى بيته ليتم عملا يستغرق ليله ونهاره؟
ثم وبعد كل هذا لماذا لا يقع تجريم الاعتداء على المربي في عمله وخارجه؟ لماذا يسن المشرع قوانين جائرة بهذا القدر من الظلم والتجاهل؟
هل كنا حقا على ضلالة حين اختارتنا الظروف القاسية لنكون رجال تعليم؟
هل حملنا لواء الرسالة وهنا على وهن كي نكافأ بالنكران والجحود؟
حقا إنع العار والخزي .
عار على كل أمة يجوع فيها المعلم فلا يجد ما يسد به رمقه ورمق أطفاله ويمرض فلا يسعفه المال ليتداوى.
عار على كل دولة يحاكم فيها معلم بتهمة إخلاصه في عمله وحرصه على القيام بواجبه.
عار على كل مجتمع يستمرىء النيل من هيبة المعلم والاعتداء على حرمته ماديا ومعنويا.
عار علىنا جميعا ، عار عليكم جميعا.