السادة الكرام والاعزاء
بالأنابة عن مجلس الأدارة و بالأصالة عن نفسي بسعدني أن أسرد عليكم نبذة تعد قصيرة أوضح من خلالها قيمة الدار التي نملكها و نشرف بالجلوس فيها الأن, حتي يتثنى للأجيال الناهضة أن تستنير عن ذلك التاريخ المشرف لأجدادنا و أبائنا و من سبقونا في ما صنعوا لنا اليوم.
سوف اتحدث عن نشأة هذه الدار العظيمة و العظماء اللذين كانوا سببآ في تكوينها منذ أكثر من 100 عام و ظلت الأجيال تتعاقب عليها
حتى يومنا هذا لتصبح على ما هي عليه اليوم.
المكتية القبطية بالخرطوم – بكر الأندية و الدور القبطية بالسودان, زهرة الأندية و صاحبة الفكر الأجتماعي و الثقافي و الرياضي القبطي الأرث الذي تركة لنا العظماء.
فدعوني أن اسرد عليكم قصة قصيرة عن فتية أشاوس كان قرارهم من ذاتهم و قد كانوا قدر فعلهم بجدارة.
فى مساء السبت الموافق (8 أغسطس 1908م) إجتمع (12) شاباً فى المنزل الذى تجلسون فيه الأن دار" المكتبة القبطية بالخرطوم" والذى كان وقتها مجرد " بيت مجموعة من الشباب الأعزب" وقرروا أن يقيموا مكتبة خاصة تشبع رغبتهم فى الإطلاع، ويمكن لمن يريد ان يشاركهم الإطلاع على ما فيها من كتب ومجلات.
فى ذلك اليوم تم إختيار أمين الصندوق وكاتب للجلسات، وإستمر الأعضاء الإثنى عشر يجتمعون بمعدل ثلاث مرات إسبوعياً إلى أن تم عقد أول جمعية عمومية أقرت أول دستور للمكتبة، وإنتخبت اول مجلس إدارة لها برئاسة حبيب أفندى حنين باشكاتب مصلحة الزراعة آنذاك.. وعضوية ثمانية أعضاء آخرين كان اكثرهم أهمية إثنان هما: أمين دار الكتب، ومراقب البوفيه الذى كان يدار بواسطة الأعضاء ويشكل مورداً للدار.
بدأ العمل بشراء كمية قليلة من الكتب لإطلاع الأعضاء، وكان البعض منها يرسل للمستعيرين فى الأقاليم مثل: مدنى، كريمة، طوكر، ثم تعاد مرة أخرى للمكتبة، وفى أمسية كل خميس كانت تقام " ليلة إئتناس" يتطارح فيها الأعضاء المساجلات الأدبية والفكاهية، ويقدم أحد الحاضرين حديثاً عن كتاب قرأه، وتبين وثائق الدار إنه خلال العام الاول وحده أقيمت أكثر من 49 ندوة و محاضرة.
وكانت المكتبة القبطية بالخرطوم أول دار يمارس فيها فن التمثيل فى السودان، حيث قدمت مسرحية " التعيس" على مسرحها بتاريخ 12/9/1909م.. وكانت بداية لليالى فنية تقدم مرتين كل شهر، وفيها تعرض التمثيليات والروائع الأدبية مع مصاحبة فرقة الدار الموسيقية.. وفى عام 1926م إنتقلت فرقة المكتبة المسرحية إلى مدينة واد مدنى حيث قدمت مسرحية " حب الظهور" وذلك للمساهمة فى جمع التبرعات لبناء كنيسة مدنى.
وبلغ النشاط المسرحى قمته فى الثلاثينات حيث قدمت عام 1935م مسرحيات " هملت" و " تاجر البندقية" و" المائدة الخضراء" و " عواطف البنين".. وفى الأربعينات كان التركيز على النشاط الموسيقى أكثر، وكانت ليال السمر تشمل عروضاً موسيقية وفكاهية.. ثم عاد النشاط المسرحى ليزدهر فى الستينات حيث قامت فرقة المسرح الجامعى المكونّة من طلاب وخريجى جامعة القاهرة فرع الخرطوم بالإشتراك مع شباب النادى بتقديم مسرحيتين للريحانى، وقدمت فرقة الفاضل سعيد عدداً من عروضها المسرحية.
ومع النشاط الثقافى والإجتماعى كان هناك أيضا النشاط الرياضى، فقد إعتمدت اللجنة التأسيسية عام 1909م مبلغاً من المال لبداية ألعاب القوى، فأقامت "عقلة" و " متوازيين" و "حصان".. وفى عام 1929م أدخلت المكتبة لعبة تنس الطاولة، ثم لعبة التنس عام 1925م وبعدها جاءت ألعاب الكرة الطائرة، وكرة السلة التى تميز فيها أبناء المكتبة وكان فريقهم أحد فرق الدرجة الأولى لسنوات.. ونفس هذا الوصف ينطبق على لعبة البلياردو التى بدأت لأول مرة عام 1955م و ظل أبطال السودان لهذه اللعبة من أبناء الدار حتي يومنا هذا.
هكذا كانت نشأة المكتبة القبطية بالخرطوم والتى كانت بداية لقيام دور مماثلة للأقباط فى معظم مدن السودان.. ولكن اللافت للنظر إن المكتبة القبطية أنتجت عمالقة كان لهم بصمة أصيلة و مؤثرة فى الأندية العامة مثل: "نادى المريخ "، الذى قام عبد السيد فرح بدور رائد فى إنشائه، كما إن نجيب يسى السويسى عمل ســـــــــــــكرتيراً له مدة 9 أعوام.." ونادى الهلال " كان من مؤسسيه المرحوم فتح الله بشارة الذى خدم فى لجانه ما يقرب من 25 عاماً، وقد كرمته إدارة النادى بأن أطلقت إسمه على إحدى قاعات النادى، وفى الخرطوم كان للأخوين " ألفى وصالح جرجس" نشاط ملحوظ فى الأندية العامة، فقد عمل الأول فى إدارة " نادى النيل" لسنوات.. وكان الثانى سكرتيراً " للنادى الأهلى" بالخرطوم.
دار المكتبة القبطية بالخرطوم والتي شهدت وصنعت حضارة لها قيمتها في العالم الثقافي، وقد افتتحت المكتبة القبطية بالخرطوم في أحد أيام عيد الميلاد المجيد 8 يناير 1909م،وعندما بدأت المكتبة كانت عضويتها قد وصلت إلى سقف يقرب من نصف الألف، وكانت تبرعات الأعضاء قد وصلت إلى أربعمائة جنيه، وكانت المكتبة هي المنتدى الثقافي الأول في السودان،
وقد زار عباس العقاد المكتبة القبطية بالخرطوم، وكان بصحبته الأديب الروائي الشاعر علي أحمد باكثير، وكانت المكتبة القبطية حلقة وصل بين الأقباط وقضايا العصر.
كما كانت المكتبة القبطية بالخرطوم صالوناً أدبياً للشعر والنثر والندوات الغنية بتراث اللغة العربية ، اشتملت المكتبة القبطية على العديد من الكتب في الأدب العربي و الشعر و التاريخ و خلافه
و لقد أسهمت وثائق المكتبة القبطية الأثرية في خدمة العديد من المشاكل وصلت الي أختلافات بين دول و منها حضور لجنة من سفارة جمهورية مصر العربية بقيادة السيد السفير لآستخراج مستند به أتفاقية حوض النيل حين مناقشة مصر مع أثيوبيا حول سد النهضة و تم أخذ صور من الأتفاقية الموجودة بدار المكتبة القبطية و التي تعد أثرية وهامة
و اليوم مر اكثر من 100 عام علي أفتتاح هذا الصرح العظيم الذى شهد له الجميع من أبناء الطائفة و الدولة بالدور الذى قامت به منذ تأسيسها و حتي يومنا هذا.
نفخر بأنتمائنا لها و نشرف بأننا نخدم فيها و نرجوا أن تظل دائمآ مفتوحة في وجه الجميع للأستفادة الأجتماعية و التقافية و الرياضية بها, رحم الله تلك المجموعة الفتية و العبقرية التي نحن اليوم نجلس في رحاب صنيعهم وحصيلة جهدهم الغالي و تضحيتهم عبر أزمنة و حكومات مختلفة للحفاظ علي هذا الموروث الغالي.
و لا يفوتني أن أنتهز هذه السانحة لآشكر كل من تعاقب علي أدارة هذا الدار من مجالس أدارات متعاقبة و كل من شرف برئاسة هذا الصرح العملاق منذ رئاسة السيد حبيب أفندي حنين منذ العام 1908 و حتي اليوم كلآ بشخصه و صفته, و الجنود المجهولين اللذين عملوا معهم حتي اليوم, ليبقى هذا الدار مفتوحآ يستقبل أعضائه و ضيوفهم رغم كل ما مر به من صعاب و عقبات الي هذا اليوم.