29/03/2026
تحلية المياه في المغرب: كيف أعادت مجموعة المكتب الشريف للفوسفاط رسم الخريطة المائية بين الصناعة والمدن والفلاحة
في ظل التحولات المناخية المتسارعة التي يعرفها المغرب خلال السنوات الأخيرة، لم يعد موضوع الماء مجرد إشكال بيئي أو تقني، بل أصبح أحد المفاتيح الكبرى لفهم مستقبل التنمية والاستقرار. ومع توالي سنوات الجفاف وتزايد الضغط على الموارد التقليدية، برزت الحاجة إلى حلول غير تقليدية قادرة على ضمان استمرارية الإنتاج وتأمين الحاجيات الأساسية للسكان.
في هذا السياق، برزت مجموعة OCP Group كفاعل استراتيجي لم يكتفِ بإعادة تأمين حاجياته الصناعية، بل ساهم في بناء منظومة مائية جديدة تمتد آثارها إلى المدن والفلاحة. وقد تجسد هذا التحول من خلال ذراعها المتخصصة OCP Green Water، التي أصبحت تقود مشاريع كبرى في تحلية المياه ونقلها وإعادة استعمالها، ضمن رؤية شاملة للأمن المائي.
محطات التحلية: قاعدة الانطلاق من الساحل
تشكل منصة الجرف الأصفر الساحلية حجر الأساس في هذه المنظومة. فهي تحتضن أكبر محطة لتحلية المياه مرتبطة بأنشطة المجموعة، بطاقة إنتاجية تبلغ حوالي خمسة وعشرين مليون متر مكعب سنوياً، مع مشاريع توسعة سترفع هذه القدرة إلى أربعين مليون متر مكعب.
هذه المحطة لم تعد موجهة فقط لتلبية حاجيات الأنشطة الصناعية المرتبطة بالفوسفاط، بل أصبحت نقطة انطلاق لنقل المياه المحلاة نحو الداخل، خاصة نحو الحوض المنجمي بمدينة خريبكة، مما يعكس تحولاً نوعياً في دور البنية التحتية الساحلية.
وفي الجنوب، طورت المجموعة محطات تحلية في منطقة العيون موجهة لأنشطتها المنجمية والصناعية المحلية، بطاقة حالية تبلغ حوالي مليون ومئتي ألف متر مكعب سنوياً، مع مشاريع توسعة تصل إلى سبعة ملايين وخمسمائة ألف متر مكعب. أما بوسكورة، فتندرج ضمن المنظومة الصناعية القريبة من الدار البيضاء، وتستفيد من مشاريع مائية أخرى مرتبطة بمحطات تحلية أو إعادة استعمال المياه في محور آسفي–الجرف الأصفر. هذا الامتداد الجغرافي يعكس توجهاً واضحاً نحو تعميم نموذج التحلية على مختلف مواقع الإنتاج.
المدن المستفيدة: من الاستعمال الصناعي إلى الخدمة العمومية
لم تبق هذه المشاريع حبيسة المجال الصناعي، بل امتد أثرها إلى المجال الحضري بشكل مباشر. ففي سياق مواجهة الإجهاد المائي الذي يعرفه المغرب منذ سنة 2018، ساهمت المجموعة في تزويد عدد من المدن بالماء الصالح للشرب.
شملت هذه العملية مدن آسفي والجديدة ، إضافة إلى المناطق الجنوبية من الدار البيضاء، حيث أصبح الماء المحلى جزءاً من منظومة التزويد الحضري. كما بدأت مدينة خريبكة تستفيد من هذه المشاريع، مع آفاق توسيع هذا التزويد في المراحل المقبلة.
هذا التطور يعكس تحوّلاً عميقاً في وظيفة المؤسسة الصناعية، التي لم تعد مجرد مستهلك للموارد، بل أصبحت طرفاً مساهماً في تأمين الخدمات الأساسية.
شبكات نقل المياه: البنية التحتية التي غيرت المعادلة
العنصر الأكثر حسماً في هذه الاستراتيجية يتمثل في شبكات نقل المياه، التي سمحت بنقل الموارد المحلاة من الساحل إلى عمق التراب الوطني.
يبرز مشروع الربط بين الجرف الأصفر وخريبكة كأكبر إنجاز في هذا المجال، حيث يمتد خط الأنابيب على مسافة تفوق مائتي كيلومتر، تصل في بعض التقديرات إلى حوالي مائتين وثلاثة كيلومترات. وتبلغ قدرته السنوية حوالي ثمانين مليون متر مكعب، ما يجعله من بين أكبر مشاريع نقل المياه المحلاة في العالم.
هذا المشروع لا يقتصر على تزويد الأنشطة الصناعية، بل يساهم أيضاً في دعم الماء الصالح للشرب بمدينة خويبكة، كما يفتح المجال أمام استعمالات فلاحية في المناطق المجاورة لمساره.
بالموازاة مع ذلك، تم إنجاز مشروع آخر يربط بين مراكش ومناطق الكنتور التي تشمل بنكربر واليوسفية، حيث يتم نقل المياه العادمة المعالجة عبر مسافة تفوق ثمانين كيلومتراً. وقد مكّن هذا المشروع من تحقيق استقلالية مائية شبه كاملة لهذه المناطق الصناعية.
كما يندرج ضمن هذه المنظومة مشروع إضافي بطول يقارب مائتين وتسعة عشر كيلومتراً، بنفس القدرة السنوية التي تبلغ ثمانين مليون متر مكعب، مما يعزز الربط المائي بين الساحل والداخل ويؤكد التوجه نحو بنية تحتية واسعة النطاق.
تعدد الاستعمالات: الماء كمنظومة اقتصادية متكاملة
تتميز هذه المشاريع بكونها لا تستهدف غرضاً واحداً، بل تقوم على تعددية الاستخدامات.
في المجال الصناعي، مكنت هذه الاستثمارات من تحقيق استقلالية شبه كاملة في التزود بالمياه، وتقليص الاعتماد على الموارد الجوفية. وفي المجال الحضري، أصبحت مصدراً فعلياً لتزويد عدد من المدن بالماء الصالح للشرب. أما في المجال الفلاحي، فقد بدأت المياه المحلاة تدخل تدريجياً في دعم أنظمة الري، خاصة في المناطق القريبة من مسارات الأنابيب.
هذا التداخل بين الاستعمالات يعكس تحول الماء إلى عنصر مركزي في المنظومة الاقتصادية، وليس مجرد مورد تقليدي.
اقتصاد الماء الدائري: من الاستهلاك إلى إعادة الإنتاج
لم تعتمد المجموعة على التحلية فقط، بل طورت نموذجاً متكاملاً لإدارة المياه يقوم على إعادة التدوير والاستعمال المتعدد.
يتم إعادة استعمال حوالي ثمانين في المائة من المياه في عمليات معالجة الفوسفاط، كما تم إنشاء محطات لمعالجة المياه العادمة في خويبكة وبنكرير واليوسفية، بطاقة إجمالية تفوق عشرة ملايين متر مكعب سنوياً. وتُستخدم هذه المياه المعالجة في الأنشطة الصناعية، مما يقلل الضغط على الموارد الطبيعية ويعزز الاستدامة.
الآفاق المستقبلية: نحو قوة مائية وطنية
تسير المجموعة نحو توسيع كبير لقدراتها الإنتاجية في مجال تحلية المياه. فقد بلغت القدرة حوالي ثلاثمائة وعشرين مليون متر مكعب سنوياً في سنة 2025، مع هدف الوصول إلى ستمائة وعشرة ملايين متر مكعب بحلول سنة 2027، ثم حوالي ستمائة وثلاثين مليون متر مكعب في أفق سنة 2030.
هذا التوسع لن يقتصر على الأنشطة الصناعية، بل سيشمل تزويد مدن إضافية مثل مراكش وبنكرير واليوسفية، إلى جانب تطوير مشاريع جديدة لنقل المياه، من بينها مشروع الربط بين آسفي ومناطق الكنتور، ومشاريع تحلية موجهة لدعم الفلاحة.
كما تعتمد هذه المنظومة بشكل متزايد على الطاقات المتجددة، في انسجام مع التحولات العالمية في مجال الطاقة والماء، ومع شراكات دولية تهدف إلى تعزيز هذا التوجه.
ما أنجزته مجموعة المكتب الشريف للفوسفاط في مجال تحلية المياه لا يمكن اعتباره مجرد استثمار تقني أو توسع صناعي، بل هو تحول عميق في كيفية إدارة الموارد المائية في المغرب. من محطات ساحلية ضخمة إلى شبكات نقل تمتد لمئات الكيلومترات، ومن تأمين حاجيات الصناعة إلى دعم المدن والفلاحة، تتشكل ملامح نموذج جديد يعيد توزيع الأدوار بين الفاعلين.
في هذا الإطار، لم تعد المجموعة مجرد فاعل في قطاع الفوسفاط، بل أصبحت عنصراً محورياً في معادلة الأمن المائي الوطني، بما يحمله ذلك من أبعاد استراتيجية تمس حاضر التنمية ومستقبلها في المغرب.