10/08/2026
«العلبة السوداء» لمجلس الخميسات: مليار سنتيم للمحروقات و«مدرستي» في قلب الأسئلة
تحقيق صحفي
محمد جواد سيفاو
عندما تتحول أرقام الميزانية إلى جداول يصعب على المواطن تفكيكها، وعندما تتراكم الملايين في بنود متعددة دون أن تكون تفاصيل صرفها متاحة للرأي العام، يصبح السؤال عن المال العام ليس حقاً فقط، بل واجباً صحفياً.
في إقليم الخميسات، تقود بشرى الوردي المجلس الإقليمي منذ شتنبر 2021، بعد انتخابها رئيسة للمجلس بـ16 صوتاً من أصل 21، لتصبح أول امرأة تتولى رئاسة المجلس الإقليمي للخميسات.
خلال هذه الولاية، قُدمت للرأي العام حصيلة واسعة من المشاريع والاتفاقيات والبرامج، بمبالغ تصل إلى عشرات الملايين من الدراهم، بل إن البرنامج التنموي المعلن للفترة 2023–2028 يتضمن أكثر من 200 مشروع بغلاف مالي إجمالي يناهز 1.2 مليار درهم.
لكن كلما كبرت الأرقام، كبرت معها مسؤولية الكشف عن تفاصيلها.
ومن هنا يبدأ السؤال الذي لا ينبغي أن يكون سياسياً ولا حزبياً:
كيف صُرفت أموال مجلس إقليم الخميسات؟
المحروقات.. رقم يقارب مليار سنتيم يحتاج إلى كشف حساب
في أبريل 2026، نشرت مصادر صحفية معطيات تفيد بحلول لجنة تفتيش مركزية تابعة لوزارة الداخلية بالمجلس الإقليمي للخميسات، للتدقيق في عدد من الملفات المرتبطة بالتدبير الإداري والمالي.
وبحسب ما نشرته «العدالة اليوم»، شمل التفتيش ملفات مرتبطة بالمحروقات والزيوت والآليات والمعدات والصفقات وسندات الطلب، مع الحديث عن نفقات للمحروقات تقارب مليار سنتيم منذ بداية الولاية الحالية، وعن أكثر من 220 مليون سنتيم خلال سنة 2022 وحدها. المصدر المنشور حول التفتيش وملف المحروقات
نكرر هنا ما يجب أن يكون واضحاً:
الرقم المنشور ليس في حد ذاته دليلاً على اختلاس أو تبديد للمال العام.
لكنه رقم كبير بما يكفي لفرض تدقيق مستقل في طريقة احتسابه.
كم عدد السيارات والآليات التي كان المجلس يتوفر عليها خلال كل سنة؟
كم كيلومتراً قطعت؟
ما معدل استهلاك كل مركبة؟
من هم المستفيدون من أوامر المهمة؟
ما هي محطات الوقود أو الشركات الموردة؟
كم بلغت قيمة كل طلبية؟
وهل تتطابق فواتير الوقود مع سجلات حركة السيارات والآليات؟
ثم السؤال الأكثر حساسية:
هل يمكن للمجلس أن يقدم للرأي العام جدولاً سنوياً يربط بين كل مركبة، وعدد الكيلومترات التي قطعتها، وكميات الوقود المستهلكة، وقيمة الفواتير المؤداة؟
إذا كانت الإجابة نعم، فإن جزءاً كبيراً من الجدل يمكن حسمه بالوثيقة.
وإذا كانت الإجابة لا، فإن السؤال يصبح أكثر إلحاحاً.
فالمال العام لا يُراقب بالثقة في الأشخاص، وإنما بسلسلة الوثائق التي تربط الطلب بالفاتورة، والفاتورة بالاستهلاك، والاستهلاك بالمهمة، والمهمة بالمصلحة العامة.
«مدرستي».. ملايين الدراهم ونموذج مالي يحتاج إلى الشرح
الملف الثاني يرتبط بالنقل المدرسي بالعالم القروي.
في يوليوز 2025، صادق المجلس الإقليمي على اتفاقية مع شركة التنمية «مدرستي» لتدبير النقل المدرسي، مع مساهمة سنوية للمجلس بلغت 7 ملايين درهم. تفاصيل اتفاقية «مدرستي»
المبدأ نفسه ليس محل اعتراض.
النقل المدرسي في العالم القروي خدمة اجتماعية حيوية، والاستثمار فيه يمكن أن يساهم في الحد من الهدر المدرسي وتحسين تكافؤ الفرص.
لكن عندما يصل التمويل العمومي إلى ملايين الدراهم، تتحول التفاصيل المالية من شأن إداري داخلي إلى مسألة تهم دافعي الضرائب.
فما هي المعادلة التي أنتجت رقم 7 ملايين درهم سنوياً؟
ما عدد التلاميذ المستفيدين؟
كم تبلغ تكلفة التلميذ الواحد؟
كم تبلغ تكلفة الكيلومتر؟
وما نسبة ما يتحمله المجلس مقارنة بما تتحمله باقي المؤسسات أو الشركاء؟
164 حافلة.. ثم 179
المعطيات المقدمة خلال مرحلة إعداد المشروع تحدثت عن 31 جماعة، و12,634 مستفيداً، و164 حافلة، و311 مساراً مدرسياً، مع الإشارة إلى أن 158 حافلة كانت بحاجة إلى تأهيل تقني. المعطيات المنشورة حول دراسة النقل المدرسي
لكن مع انطلاق الموسم الدراسي، ظهرت أرقام أخرى تتحدث عن 179 حافلة و12,476 مستفيداً موزعين على 31 جماعة و117 مؤسسة تعليمية.
الفارق بين الأرقام لا يثبت وجود اختلال.
قد يكون سببه تحديث قاعدة البيانات أو إضافة حافلات أو تغيير المسارات أو إعادة ضبط عدد المستفيدين.
لكن الصحافة لا يفترض أن تكتفي بالاحتمالات.
ما الذي تغير بين الدراسة الأولى والانطلاق الفعلي للخدمة؟
من أين جاءت الحافلات الإضافية؟
ما وضعيتها القانونية؟
من اقتناها؟
ومن تحمل كلفتها؟
وهل تغير عدد المسارات؟
وهل تغير عدد المستفيدين؟
هذه أسئلة بسيطة، لكن الإجابة عنها يجب أن تكون موجودة في الوثائق.
642,800 درهم في رأسمال الشركة.. مساهمة أم تمويل إضافي؟
في أكتوبر 2025، صادق المجلس على ضخ 642,800 درهم في رأسمال شركة «مدرستي»، إلى جانب تعديل نظامها الأساسي. تفاصيل المساهمة في رأسمال «مدرستي»
وهنا ينبغي التمييز بين عدة مبالغ حتى لا تتحول الحسابات إلى خليط صحفي.
لدينا:
7 ملايين درهم كمساهمة سنوية معلنة.
ولدينا:
642,800 درهم كمساهمة في رأسمال الشركة.
وتشير حصيلة منشورة للمجلس إلى دعم بلغ 7,642,800 درهم لفائدة «مدرستي»، إضافة إلى اقتناء 21 حافلة بكلفة 7.6 ملايين درهم. حصيلة المجلس الإقليمي 2021–2025
وهنا تظهر الحاجة إلى كشف مالي واضح.
هل مبلغ 642,800 درهم جزء من مبلغ 7,642,800 درهم أم مبلغ مستقل عنه؟
ما هي طبيعة كل تحويل؟
هل هو دعم تشغيلي؟
أم مساهمة رأسمالية؟
أم تمويل اقتناء؟
ومن يتحمل تكاليف الوقود؟
ومن يتحمل الصيانة؟
ومن يؤدي التأمين؟
ومن يؤدي أجور السائقين؟
وما هو هيكل ملكية الشركة ومجلس إدارتها؟
هذه ليست تفاصيل ثانوية.
إنها الطريقة الوحيدة لمعرفة كم يكلف النقل المدرسي فعلياً خزينة الإقليم.
50 مليون درهم لـ50 كيلومتراً.. أين تنتهي الصفقة وتبدأ الطريق؟
في شتنبر 2025، أعلن المجلس عن تخصيص 50 مليون درهم لتهيئة وصيانة 50 كيلومتراً من المسالك القروية لفائدة 24 جماعة. تفاصيل برنامج المسالك القروية
المتوسط الحسابي البسيط يبلغ مليون درهم لكل كيلومتر.
لكن الحساب وحده لا يسمح بالحكم على تكلفة الأشغال.
فالمسالك تختلف من منطقة إلى أخرى، كما تختلف طبيعة الأشغال والتربة والمنشآت الفنية والتصريف والمواد المستعملة.
لذلك السؤال الصحفي ليس:
هل مليون درهم للكيلومتر كثير؟
بل:
ماذا اشترى المجلس فعلياً بهذا المبلغ؟
نحتاج إلى معرفة:
• أرقام الصفقات.
• أسماء المقاولات.
• قيمة كل صفقة.
• دفتر الشروط والمواصفات.
• طول كل مقطع.
• نوع الأشغال.
• آجال التنفيذ.
• نسبة الإنجاز.
• محاضر التسلم.
• المبالغ المؤداة.
• وأي تعديلات طرأت على الصفقات.
ثم تأتي الخطوة التي تكرهها البيانات الصحفية عادة:
النزول إلى الميدان.
هل الـ50 كيلومتراً موجودة فعلاً؟
هل نفذت بالمواصفات المقررة؟
هل ما زالت صالحة بعد أول موسم أمطار؟
وهل الكميات المنجزة تطابق ما هو مدون في الكشوفات؟
حين تتحدث الميزانية بلغة مختلفة
في 2024، صادق المجلس على مشروع ميزانية 2025 بإيرادات بلغت حوالي 63.493 مليون درهم ونفقات في حدود 66.992 مليون درهم، أي بعجز يقارب 3.499 ملايين درهم.
وفي أكتوبر 2025، صادق المجلس على مشروع ميزانية 2026 بمبلغ 55.014.293,95 درهماً، مع الإعلان عن فائض بلغ حوالي 4.719 ملايين درهم خلال النصف الأول.
ثم ارتفع مبلغ ميزانية 2026 بعد تعديل لاحق إلى حوالي 72.667.290,05 درهماً. المعطيات المنشورة حول ميزانية 2026
هذه التحولات ليست دليلاً على اختلال.
لكنها تجعل سؤالاً واحداً ضرورياً:
كيف تحركت الميزانية؟
ما مصدر الزيادة؟
ما الاعتمادات التي أعيدت برمجتها؟
ما المشاريع التي ألغيت؟
ما المشاريع التي تأجلت؟
وما الفرق بين:
الاعتماد المرصود، والالتزام بالنفقة، والأداء الفعلي؟
فالرقم الموجود في الميزانية ليس بالضرورة هو الرقم الذي خرج من الخزينة.
وهذه المسافة تحديداً هي التي يجب أن يشتغل عليها التحقيق.
1.2 مليار درهم.. عندما تصبح الحصيلة بحاجة إلى تدقيق
الحصيلة التي قدمها المجلس للفترة 2021–2025 تتضمن عشرات المشاريع والبرامج، من بينها:
40 مليون درهم للطرق والمسالك.
31 مليوناً للإنارة العمومية.
30 مليوناً للنواة الجامعية.
16.2 مليوناً لدعم الجمعيات والمجال الرياضي.
10 ملايين لمشروع تأهيل مسجد وضريح عبد الله بن ياسين.
كما يتحدث المجلس عن برنامج تنموي للفترة 2023–2028 يضم أكثر من 200 مشروع بغلاف مالي يقارب 1.2 مليار درهم. حصيلة المجلس وبرنامجه التنموي
مرة أخرى:
لا يوجد في الرقم وحده ما يثبت وجود تبديد.
لكن ملياراً ومئتي مليون درهم ليست رقماً صغيراً.
إنها كتلة مالية تستحق نظاماً واضحاً للشفافية.
والسؤال يصبح:
كم من هذه المشاريع دخل مرحلة التنفيذ؟
كم اكتمل؟
كم هو متعثر؟
كم دُفع؟
وكم بقي؟
ومن هم المستفيدون من الصفقات؟
وما هو التوزيع الجغرافي للاستثمارات بين جماعات الإقليم؟
التفتيش المركزي.. أين توجد نتائجه؟
الحديث عن حلول لجنة تفتيش مركزية تابعة لوزارة الداخلية في أبريل 2026 يرفع مستوى أهمية الملف، لكنه لا يسمح وحده بإدانة أي طرف.
حتى الآن، لا تتوفر في المصادر المفتوحة التي تمت مراجعتها نسخة منشورة من تقرير رسمي يحدد نتائج التفتيش أو يثبت وجود مخالفات منسوبة إلى بشرى الوردي شخصياً.
وهذه نقطة يجب تثبيتها بوضوح.
لا يجوز تحويل:
لجنة تفتيش حلت بالمجلس
إلى:
وزارة الداخلية كشفت اختلاسات.
الأولى معلومة عن إجراء رقابي.
أما الثانية فهي نتيجة تحتاج إلى وثيقة رسمية.
وبالتالي فإن السؤال الصحفي الصحيح هو:
هل انتهت مهمة التفتيش؟ وهل صدر تقرير؟ وما هي خلاصاته؟ وهل تم اتخاذ أي إجراءات بناءً عليه؟
إذا كان التقرير سليماً، فذلك أيضاً خبر.
وإذا سجل ملاحظات، فمن حق المواطنين معرفتها.
بشرى الوردي أمام الاختبار الحقيقي
قدمت رئيسة المجلس الإقليمي حصيلة سياسية وتنموية واسعة خلال ولايتها.
وهذه الحصيلة ينبغي أن تناقش بالأرقام نفسها التي استعملت لتقديمها.
فلا يكفي أن نقول:
40 مليوناً للطرق.
بل يجب أن نعرف أين ذهبت.
ولا يكفي أن نقول:
7 ملايين للنقل المدرسي.
بل يجب أن نعرف تكلفة الخدمة.
ولا يكفي أن نقول:
مليار و200 مليون للبرنامج التنموي.
بل يجب أن نعرف نسبة التنفيذ.
ولا يكفي أن يقال:
تم إنجاز مشاريع.
بل يجب أن يستطيع الصحفي والمواطن الوصول إلى الوثائق التي تثبت ذلك.
أسئلة إلى رئيسة المجلس الإقليمي
باسم حق الرد، وبهدف استكمال التحقيق، نضع أمام رئاسة مجلس إقليم الخميسات الأسئلة التالية:
أولاً: ما القيمة الدقيقة التي صرفها المجلس على المحروقات منذ بداية الولاية، سنة بسنة؟
ثانياً: ما عدد السيارات والآليات خلال كل سنة، وما معدلات استهلاكها؟
ثالثاً: من هم الموردون، وما أرقام الصفقات وسندات الطلب المتعلقة بالمحروقات؟
رابعاً: هل صدر تقرير رسمي عن لجنة التفتيش المركزية التي قيل إنها حلت بالمجلس في أبريل 2026؟ وإذا صدر، فما خلاصاته؟
خامساً: ما الوضع القانوني الكامل لشركة «مدرستي»؟ ومن هم مساهموها ونسب مساهمتهم؟
سادساً: هل مبلغ 642,800 درهم المساهم به في رأسمال «مدرستي»
مستقل عن مبلغ 7,642,800 درهم الوارد في حصيلة المجلس أم أنه جزء منه؟
سابعاً: ما الكلفة السنوية الإجمالية للنقل المدرسي، بما فيها الوقود والصيانة والتأمين والأجور؟
ثامناً: لماذا اختلفت أرقام الحافلات والمستفيدين بين المعطيات المنشورة في 2025 والمعطيات المعلنة عند انطلاق الخدمة في 2026؟
تاسعاً: ما تفاصيل صفقات الـ50 مليون درهم الخاصة بالمسالك القروية؟
عاشراً: ما نسبة إنجاز المشاريع المعلن عنها ضمن البرنامج التنموي 2023–2028؟
حادي عشر: ما الفرق بين الاعتمادات المرصودة والمبالغ الملتزم بها والمبالغ المؤداة فعلياً؟
هذه الأسئلة ليست حكماً مسبقاً.
إنها ببساطة حق الجمهور في معرفة كيفية تدبير المال الذي يُنفق باسمه.
الخلاصة: لا نريد فضيحة.. نريد كشف الحساب
هذا التحقيق لا يقول إن بشرى الوردي اختلست المال العام.
ولا يقول إن مجلس الخميسات ارتكب مخالفة.
ولا يعتبر ارتفاع الإنفاق دليلاً على الفساد.
ما يقوله أبسط وأصعب في الوقت نفسه:
الأرقام كبيرة، وبالتالي يجب أن تكون الشفافية كبيرة بالقدر نفسه.
إذا كانت فاتورة المحروقات مبررة، فلتُكشف سجلاتها.
إذا كانت أموال «مدرستي» قد صُرفت وفق القانون، فلتُنشر معادلة التمويل وتفاصيل الخدمة.
إذا كانت الـ50 مليون درهم للمسالك قد تحولت إلى أشغال حقيقية، فليُكشف مكانها ومقاولوها ونسب إنجازها.
إذا كان البرنامج التنموي البالغ 1.2 مليار درهم يسير وفق ما أعلن عنه، فليُكشف مستوى تنفيذه مشروعاً بمشروع.
وإذا كان تفتيش وزارة الداخلية قد انتهى، فإن الرأي العام يستحق معرفة خلاصاته في الحدود التي يسمح بها القانون.
فالمال العام لا يحتاج إلى طبول سياسية، ولا إلى مدافعين، ولا إلى خصوم يبحثون عن فضيحة بأي ثمن.
يحتاج إلى كشف حساب.
وفي نهاية المطاف، لا ينبغي أن يكون السؤال:
هل نحن مع بشرى الوردي أم ضدها؟
السؤال الذي يهم المواطن هو:
أين ذهبت أموال مجلس الخميسات؟
والجواب الوحيد الذي يمكن أن يغلق هذا الملف ليس بياناً سياسياً.
إنه الوثيقة.
#الخميسات