01/07/2020
حبيبي الله..
علموني في سنوات مراهقتي أني سأُعلَّق من شعري في جهنم،
وأنه خلال سيري في طريقٍ ما سيلعنني الشجر والحجر وكل ما يوجد في الطريق.
وكأني طوال ما حييتُ مكشوفة الشعر سأبقى خارج رحمتك.
لا أعرف يا الله كيف استطاعوا أن يجعلوا لرحمتك حدود
وأن يدخلونا ويخرجونا منها
كيف يشاؤون.
وعندما كنت اتوجه أحياناً إلى الصلاة في المصليات العامة وكنت على ما يبدو لا أُؤدي الصلاة شكلياً ببعض الحركات البسيطة فيها على أكمل وجه،
تتوجه إليَّ في كل مرة إحدى النساء لتخبرني بأن ما قمت به لا يجوز وحرام ويجب عليَّ تصحيح الحركات.
رغم أني كنت استشعرك كثيراً في الصلاة
إلا أني وبعد أكثر من تنبيه وشعوري بأني لا بد أن اركز في الحركات ذاتها أكثر من الروحانية
بدأ يتخلل في صلاتي نوع من القلق على عكس ما يجب أن يكون..
وكأن ما يهم في الصلاة هو شكلها وليس تلك الصلة الروحانية الخاصة جداً بينك وبين
كل إنسان ضعيفٍ منا..
علمونا جداً أن التساؤل عنك و عن قدرتك وأفعالك ومحاولة فهمك وفهم الغيب لا يجوز.
وكأنهم لا يعرفون أن حب شيءٍ أو شخص لا بد وأن يأتي مع الرغبة الشديدة لفهمه ومعرفته والتساؤل الدائم عنه وعن أفعاله.
قتلوا فينا التساؤل عنك يا الله و زرعوا مكانه الكثير من الخوف..
ألصقوا فينا تلك الصورة عن الشخص المتدين وعلّمونا دون وعي
أن نصنف الأشخاص لسيء وجيد بناءً على تلك الصورة، وعلّمونا بأن مصير كل منا محتم بناءً عليها
، إما الجنة لمن تنطبق عليه الصورة أو جهنم بمن لا يلتزم بها.
لا أعلم كيف تجرؤوا على التدخل في حكمتك يا الله..
علّمونا بشكل مباشر وغير مباشر أن الهدف هو الوصول إلى الجنة و تجنب النار..
وفي الحقيقة الهدف الوحيد هو أنت وفقط أنت.
جعلونا نقدس العبادات قبل أن نقدسك..
نفهم العبادات وربما أيضاً بشكلٍ غير صحيح قبل أن نفهمك.. علّمونا بأن نعتقد بأننا مبصرون في حين كنا عميان جداً..
أفكر أحياناً يا الله..
كيف يكون لوصولك أنت الواسع الجميل العظيم طريق واحد كما علّمونا ؟
كيف أحاطوا الطرق إليك بمئات القوانين والقواعد كأصنام على حافة طريق طويل وأمرونا بتقديسها بدل حثّنا بالاستمرار في الطريق باحثين عنك وعن نورك؟
أنا يا الله لم أعد أقتنع بكثيرٍ مما علّمونا..
فجأة وجدت نفسي أصلي وأصوم،
التزم بما استطعت من عبادات لمجرد اسقاط فرض..
وفي مرحلة ما شعرت بخجل هائل لالتزامي بواجبات اتجاهك فقط
من باب الاعتياد
أو من باب اسقاط ما عليَّ من واجبات..
كمن يفعل أمر ما دون شغف أو صدق
أو حتى من باب خوفي من العذاب..
لا أريد ذلك يا الله، أريد أن أشعر بأنني ولدت من جديد،
بأني أقوم بكل شيء لأجلك فقط.
لا رغبة بالجنة ولا خوفاً من النار. لا تقديساً للعبادات ولا الفتاوي والحرام والحلال بل تقديساً لك أنت..
أريد أن أصلي وأصوم وأعطي وأحب وأجوب الأرض ناشرة الخير رغبةً بك..
في سبيل حبك..
لا رُعباً من غضبك ولا إخراجك لي من رحمتك..
أجدك يا الله في نجوم سماءِ الليل المتناهية الوسع..
في نسيم الهواء..
في الشروق والغروب الآسر..
في ابتسامة أؤلئك الضعفاء..
في صوت العصافير الذي يلمس روحي..
في عطف حبيبي اللامتناهي..
في الحب وفي موسيقى عظيمة يقشعر لجمالها بدني..
أجدك في كل شيء..
فجدني يا الله..
جدني .
من طريق ظننتها تؤدي إليك أسلكها دون حب..
دون شغف..
وضعني على طريق حبك المطلق،
الصادق النقي الخفيف..
واجعلني أطفو بسلام في هذه الدنيا عارفةً أني جئتُ منك وسأعود إليك..
فأنت البداية والنهاية..
وكل شيء يا الله.
كلمات الدكتورة الأردنية الجميلة روند عبد الواحد