سرد

سرد ان للسرد تأثيراً سحرياً في تاريخ الأمم والشعوب، فتحدد من ثمة صيرورة الأمة بكاملها وتوجه مسارها وجهة خاصة أحقاباً وأجيالاً.

في روايتها "الساكنات":الكاتبة بولين بيراد تغازل الطبيعة بأسلوب شاعري آسر..ترجمة: عدوية الهلاليبعد فوزها بجائزة غونكور لأ...
19/05/2026

في روايتها "الساكنات":الكاتبة بولين بيراد تغازل الطبيعة بأسلوب شاعري آسر..

ترجمة: عدوية الهلالي

بعد فوزها بجائزة غونكور لأفضل رواية أولى عام 2023 عن روايتها "عصر التدمير"، نشرت الروائية بولين بيراد قصة جديدة مستوحاة من الطبيعة، تُثيرفيها تساؤلات حول كيفية عيشنا في هذا العالم.
صدرت رواية بولين بيراد "الساكنات" في كانون الثاني عن دار نشر "إيديسيون دو مينوي"، وهي من أبرز النصوص الأدبية في الموسم الأدبي لعام 2026. وتتضمن حبكةٌ رقيقةٌ تتألق فيها اللغة، لتُقدم تجربةً حسيةً آسرةً للحياة اليومية لإيميلي، الشابة التي تعيش على هامش المجتمع، مُتقربةً من الطبيعة التي تُحيط بها وتُجسدها. لكن هذا التوازن يهدده يومًا ما بيع منزلها الوشيك. انها معضلةٌ لا تُطاق تُلازمها، منذ بداية الرواية وتعلنها على لسان إميلي برونتي، التي تمثل مصدر إلهامٍ رئيسي للكاتبة: "يُظلم الليل من حولي. تهبّ رياحٌ عاتيةٌ باردة. لكنّ قدراً جائراً قد قيّدني. ولا أستطيع، لا أستطيع الرحيل". تم ترشيح رواية "الساكنات"لجائزة فرانس تيليفيزيون للرواية لعام 2026، والتي ستُمنح في 26 آيارالمقبل.
"ما معنى أن نكون في هذا العالم؟ هل الأماكن التي نسكنها مجرّد خلفياتٍ عاديةٍ لحياتنا، أم أنها تُشكّل جزءاً من ذواتنا؟ ". .عاشت إميلي منذ التاسعة من عمرها مع جدّتها مون في منزلٍ مُنعزلٍ على حافة غابةٍ شاسعة حيث تركها والدها هناك ليُعيد بناء عائلته في مكانٍ آخر. والآن، وقد أصبحت شابةً بالغة، تعيش حياةً بسيطةً، تُرسّخ وجودها تدريجياً في عاداتٍ بسيطة، مُنسجمةً مع فصول السنة. العمل في المزرعة المجاورة التي تديرها صديقتها أود، والمشي الصباحي في الغابة مع كلبها لويز، ولحظات قليلة من التأمل العميق حيث يتسلل النسيم العليل، وارتعاش أشجار الحور الرجراج، ودوران النحل.
تقول في وصفها الطبيعة: " يُشرق الفجر. السماء رمادية باهتة، مُثقلة بالرطوبة والضوء. أشعة الشمس تُلامس الريف. دفءٌ يُحيط بكاحلي، ثم يتبدد في لحظة مع نسمة باردة"
وبعد وفاة مون بفترة وجيزة، تتلقى إميلي رسائل. يُخبرها فيها والدها، وزوجة أبيها، ثم كاتب العدل، أن الوقت قد حان لبيع المنزل الذي لا تزال تسكنه. ويُصرّ الأب، بينما تُقاوم الابنة هذا الواقع المُريع. فما هي الصراعات الخفية التي تدور خلف مظهر الخلافات العائلية؟
وإذا بدت رواية بولين بيراد، منذ صفحاتها الأولى، عملاً إبداعياً بامتياز، فربما يعود ذلك إلى أنها تُجدد ببراعة طريقة كتابتنا عن أنفسنا. هنا، الحوار قليل، مُختزل إلى الحد الأدنى. ولا توجد مناجاة داخلية تُصف غضب أو ألم الشابة التي تُواجه انهيار عالمها الصغير الوشيك. يطفو الجرح على السطح بطرق غير متوقعة.وترمز ركبتها المجروحة بشدة جراء سقوطها في طريقها إلى مكان السباحة إلى تدهور علاقتها بوالدها. ستتفاقم نقمتها قريبًا بعد محاولة أخرى من والدها، المتلهف للبيع. كيف لا، مع أبٍ أدار ظهره لها ويختم رسائله دائمًا بعبارة مقتضبة "مع خالص تحياتي" أو "بكل إخلاص"؟ لكن إميلي تُصرّ على صمتها.
يظهر العالم الداخلي لمشاعرها في السرد من خلال فواصل رمزية. مثل الراحة التي تشعر بها في تواصلها مع مجتمع النساء الصغير المحيط بها. نوع من نشأة الإنسان والحيوان والنبات تشعر تجاهه برابطة عميقة. نساء تربطهن علاقة أفقية واحدة بالحياة. إميلي ولويز، (أود) وسكان مزرعتها، وقريبًا (آنا)، أخت إميلي غير الشقيقة التي ستنضم إليهم في النهاية. معًا، تدافع هؤلاء النساء عن نمط مختلف للعيش في العالم، قائم على روابط تجمع بين الضعف والقوة، منخرطات في حوار مع طبيعة ينبغي الحفاظ عليها دون إزعاج. تمامًا كما يُدفن طائر البلشون بكرامة ليُمنع من تلويث البركة أثناء تحلله. يُجسد شعر بولين بيراد البسيط هذا التعايش مع البيئة، مُذكرًا بأشعار الشاعر الأمريكي والت ويتمان، المعاصر لإميلي برونتي، الذي كتب في مجموعته "أوراق العشب" المنشورة عام ١٨٥٥: "نحن ما هو عليه الغلاف الجوي، شفاف، مُستقبل، نافذ، غير نافذ. نحن الثلج، والمطر، والبرد، والظلام، نحن جميع نتاجات العالم وجميع تأثيراته.".
وتنطلق رواية بولين بيراد، "الساكنات"، من عزلةٍ مُهمّشة حيث تعيش إميلي وحيدةً مع كلبها لويز في منزل جدتها، في قريةٍ نائيةٍ مُحاطةٍ بالتلال والغابات والحقول والطرق، بين أواخر الربيع وأواخر الصيف. ويبدو يومها وكأنه سلسلةٌ من الأفعال المُتكررة - نزهاتٌ طقسية، وسباحةٌ في البركة، وعملٌ لدى أود في المزرعة المجاورة - حيث تحتل الطبيعة (الكلاب، والسنونو، والنحل، ومالك الحزين، وشجرة الحور، وحقول القنب) نفس مكانة الشخصيات وتُشاركها رحلتها. ويُثير وصولُ الرسائل التي تُعلن عن بيع المنزل الوشيك توترًا حول الميراث والعائلة، في حياةٍ مُثقلةٍ برحيل والدها وشعورٍ بالإرهاق. وقد تباينت آراء النقاد حول الرواية: إذ أشارت مجلة "هي " إلى افتقارها للتعاطف والتواصل العاطفي، فضلاً عن شعورٍ بـ"فقدان شيءٍ ما"، بينما أكدت مجلة "لو بوا " على حياة الراوية المنعزلة عن العالم في مزرعةٍ نائية، واستكشافها المستمر للهامش. وتتأرجح الرواية بين الرقة والقلق والاضطراب، وتتكشف كعملٍ روائي تأملي، حيث يُمثّل الريف والمنزل ملاذاً ونقطة تحوّل في آنٍ واحد.

في روايته "الحب الأسمى"، ينسج أوليفييه كاديو خيالًا ربيعيًا بديعًا، وقصيدةً للحب.ترجمة: عدوية الهلالييعود المترجم والشاع...
19/05/2026

في روايته "الحب الأسمى"، ينسج أوليفييه كاديو خيالًا ربيعيًا بديعًا، وقصيدةً للحب.

ترجمة: عدوية الهلالي

يعود المترجم والشاعر أوليفييه كاديو، بعد عام من روايته «رحيل النار»، برواية آسرة على هيئة يوتوبيا شعرية، تدور أحداثها حول مجتمع حضري صغير يهرب من صخب العالم بإنشاء حديقة واسعة على سطح مبناه..
من الغلاف الخلفي، يُحذَّر القارئ: "اصنعوا الحب لا الحرب"، ويصعب الاستجابة لهذا النداء الآن. يقول: "علينا أن ننفصل؛ ولنبدأ بمنازلنا - سنتنفس الصعداء". الانفصال.هذا هو هدف الرواية الجديدة لأوليفييه كاديو، الشاعر والمترجم البارع لأعمال شكسبير، الذي نشر مؤخرًا رواية مع دار نشر P.O.L.، وهي رواية منعشة للغاية وخيالٌ شعريٌّ، يحمل عنوان "الحب الأسمى"، واضعًا نفسه تحتَ إرثِ أفضلِ ألبومات كولترين، وكذلك موسيقاه البلوزية.
وهكذا، ينتقلُ الراوي، وهو أشبهُ بروبنسون كروزو الكسول ذي الملامحِ الضبابيةِ نوعًا ما، للعيشِ مع صديقِه المُقرَّبِ ماكسيميليان في الطابقِ العلويِّ من مبنى باريسيٍّ فخم. سيكونُ كلُّ شيءٍ على ما يُرام لو لم يُثقلَ الشابُّ بوحدةٍ عاطفيةٍ مُستمرةٍ وصعوبةٍ بالغةٍ في تقبُّل الآخرين. ينفتحُ تدريجيًّا على أولئك الذين يُشكِّلون مجتمعَ جيرانه المُتنوِّع ويبحثُ عن إجابات. "لا ألمسُ أحدًا ولا أحد يلمسني. إنها صحراء. لأكونَ دقيقًا، أبحثُ عن جوهرِ الحبيب.الواقع، الجسد في صورتهِ الحقيقية. كيف يُمكنني العثورُ عليهِ مُجددًا؟ هل وجدتهُ يومًا؟"
تلي ذلك حواراتٌ ممتعة مع جيرانه في كل مرة يطرق فيها باب أحدهم. من سيمنحه مفتاح الخلاص من الكآبة التي تُسيطر عليه؟ هل هو غوستاف وين، الفيزيائي الفيلسوف، العالم المجنون الممتع ومتسلق الجبال في أوقات فراغه، أم الطبيب النفسي الغريب الفظ الذي يبدأ معه تحليلاً سرعان ما ينهار؟ هل هو اللورد العجوز المهووس بأسلافه المجيدين، أم كارول الجميلة التي تُجنّده في مسرحها الصغير لإعادة تمثيل مسرحية النورس مرارًا وتكرارًا في بداية كل موسم؟
وبينما ينتظر الراوي أن يُرمّم قلبه الصغير الوحيد، تنشأ لديه خطة. "أحتاج بشدة إلى حديقة. ولم لا تكون على السطح؟ سنبني سياجًا حول السطح بأكمله. سيكون ذلك أفضل لإقامة الحفلات. سطح المبنى مسطح، مثل ناطحات السحاب في مانهاتن، وهذا مثالي. سنزرع بعض العشب. مرج، وانتهى الأمر - الآن يمكننا التنفس." هل سينجح في مسعاه عندما يحاول أحد مالكي المبنى، وهو ملياردير جشع، فرض مشروع ضخم لإضافة طابق آخر؟ هل سيجد الحب في النهاية بين ذراعي كارول الجميلة؟
من خلال هذه الكوميديا ​​الرقيقة، يكشف أوليفييه كاديو برقة عن مواضيع عالمية كالشوق إلى الحب، وصعوبة العيش معًا، والحاجة المُلحة لكلٍّ منا لبناء جنّته الخاصة، بعيدًا عن صخب الحياة. يُحقق ذلك بأسلوبٍ أنيق، بنثرٍ موجزٍ مُتقطّعٍ بفواصل بين الأسطر، مُستعيرًا شكله من الشعر بقدر مايستعيره من لمسات رسام الكاريكاتير العابرة. إنه عملٌ رائعٌ حقًا.
وبينما تتسارع الأحداث عبر سلسلةٍ من المشاهد الفكاهية، تُشبه الفواصل الشعرية أنفاسًا منعشة، حيث يكمن المعنى العميق للقصة. ويمضي كاديو كرسامٍ، عبر فن الكولاج، مُضاعفًا الإشارات الأدبية والاقتباسات ليُشعل شرارةً ويُضفي هالةً من الرقة. كتابه بمثابة بلسمٍ شافٍ، ولمسةٍ مُريحة. «لا علاج إلا الحياة. لكن لا يوجد دليل إرشادي. مهما قال البعض.عليك أن تجلس أمام البيانو وتعزف. إنه فعل غير منطقي، لذا يمكنك فعله. الأمر نفسه ينطبق على العناق. أعترف أنها مقولة من شخص آخر، لكن أحدهم كتبها لكي نفهمها. هذا لكي نقتبسها لاحقًا، أليس كذلك؟» ولن نحتاج إلى تكرارها.
وُلد كاديو في باريس., نُشرت مجموعته الشعرية الأولى، "الفن الشعري"، عام ١٩٨٨، والتي استخدم فيها أسلوب التقطيع. وفي عام ١٩٩٣، نشر كاديو مجموعته "المستقبل، القديم، الهارب"، وفي عام ١٩٩٧ نشر "الكولونيل الزواف". وفي هذه الكتب، قدّم روايات على هيئة قصائد. وفي عامي ١٩٩٥ و١٩٩٦، شارك في تحرير «المجلة الأدبية العامة» مع بيير ألفيري.
من أعماله الأولى التي نشرتها دار P.O.L. كتب للمسرح مع لودوفيك لاغارد، وكتب نصوصًا أوبرالية لباسكال دوسابان، وترجم نصوصًا من الكتاب المقدس (سفر يوشع، والمزامير، ونشيد الأناشيد).. وعلى مدى سنوات عديدة، كان يُلقي نصوصه الخاصة في قراءاتٍ في المراكز الدرامية الوطنية ومسرح لا كولين الوطني. تأثرت كتاباته بشدة بالحركات الأدبية الطليعية في القرن العشرين: جيرترود شتاين، وجيمس جويس، وويليام س. بوروز، وغيرهم. ومثل العديد من كتّاب جيله، تأثر بحلقات رولان بارت الدراسية. وكانت صدمته الجمالية الأولى عندما قرأ قصيدة ستيفان مالارميه "من أجل قبر أناتول". يُظهر في كتاباته اهتمامًا دائمًا بالابتكار الشكلي، مع الحذف والقطع والتزامن. ومع ذلك، فإن هدفه دائمًا هو "تبسيط الأمور المعقدة".

نحو علم سرد عربي: قراءة في مشروع نادية هناوي محمد خضير سلطانكيف يمكننا أن نعدّ مصطلح «الأقلمة السردية» Narrative Adaptat...
15/05/2026

نحو علم سرد عربي: قراءة في مشروع نادية هناوي

محمد خضير سلطان

كيف يمكننا أن نعدّ مصطلح «الأقلمة السردية» Narrative Adaptation- الذي أرست واضطلعت نادية هناوي في مهام دراسته العميقة، كمشروع سردي محلي وعربي- على عدة مستويات واتجاهات- كيف يمكننا ان نعدّ العمل بهذا المصطلح الجديد، في ما يتيحه مفهومه الواسع والدقيق من وقفات استعادية فاصلة وشاملة في نقدنا الأدبي المحلي، أو نسعى من خلاله أيضاً الى إعادة ترتيب لمناهجنا وآلياتنا النقدية وحتى ذائقتنا الفنية وفق محدث راهن وقطعي، في ضوء التجاور البنيوي للعلوم الإنسانية والطبيعية، سيصل بنا الى تسجيل مؤشرات الاختلال والقوة، الهبوط والصعود، المحلي والعالمي، الوافد والبيئي المؤصل.. كيف يمكننا ذلك مثلاً حينما نتصدى نقدياً لسيرورة السرد القصصي والروائي العراقي والعربي الجديد والسابق على حد سواء؟

قبلية الأقلمة وإنشائية التعثر

إن الأقلمة «النقدية» في هذا السياق الذي ألفناه في بلادنا، تبدو قبلية ـ أي ما قبل الشروع النقدي- فوقائع التحديث الثقافية عبر دخولنا العصر الحديث، لم تتخذ صيغة مستقرة ومتنامية على نحو عضوي، منتظم ومتوازٍ مع البنيات التحديثية الأخرى، وعلى خط شروع تكاملي واحد، بل تتكيف وتتكوّر باستمرار مع أصداء متغيرات عامة حديثة نتلقاها مثل صدمات فكرية مباغتة، وكلما استنفدت تلك المتغيرات في اختبارها العملي، وتغدو اعتباطاً في مسار التاريخ، أو هدراً عابثاً في وقت المجتمع فتحل محلها أخرى مساوية لها في الهجنة والتكرار.
هنا يدخل المشهد النقدي في إنشائية تكوّر جديدة متعثرة، وبدلاً من أن يبدأ التمثيل النقدي أولى محصلاته الحيوية في فضائه المرجعي الحقيقي ـ المجتمع شبه التحولي بوصفه قاعدة انطلاق السرد كما حدث بشكل عفوي في العشرينيات، وحتى الخمسينيات من القرن الماضي، من خلال مطابع السراي «شارع المتنبي» – نجد أن طبخاته اللاحقة، تجري على نار متعسفة الإيقاد داخل الحجرات الحكومية، ويُختطف في مهاده من خلال تنظيم تداول الوافد الثقافي وتقنينه أيديولوجياً.

توجه مؤسسة وانشطار نقد
على سبيل المثال، في مطلع الثمانينيات من القرن المنصرم، شعرت المؤسسة السلطوية بانها لم تعد بحاجة حقيقية الى الواقعية السردية؛ الاشتراكية والنقدية، كما تبنتها على نطاق واسع في السابق، فأوقفت توجهاتها الثقافية المتدفقة من الترجمات والنقل وترسيخ الأفكار الإبداعية، ما دفعها الى سد الفراغ بالانفتاح على الثقافة الفرانكفونية، التي رافقها إعداد حزمٍ من ترجمات الكتب النقدية والمعرفية والبنيوية والحوارية، وما لبث نقاد الأمس الذين يكتبون عن الكادحين والسرد الفلاحي والقصة العمالية، حتى صاروا اليوم، يتناولون بالهمة ذاتها (باشلار) جماليات الأمكنة، و»باختين والمبدأ الحواري والصوت المتعدد» و»بارت ودرجة صفر الكتابة»، مع حفظ الألقاب لهؤلاء النقاد الأجلاء بين الأمس واليوم، الذين أرادوا تطوير قدراتهم المعرفية في ذلك الخضم، مثل الناقد فاضل ثامر والمفكر ياسين النصير والشاعر والناقد عبد الرحمن طهمازي وغيرهم، ولعل تلك الظاهرة اكتملت في الثمانينيات، لكن توجهاتها المؤسسية بدأت في فترة مبكرة، قامت – مثلاً على كسر الأدبيات الماركسية بنشر وترويج المؤلفات السارترية – إذ يروي الأديب الراحل خليل المياح، شقيق الروائي الراحل جليل المياح، في حديث شخصي، بأنه حينما كان في السجن بعد منتصف الستينيات مع الشاعر فاضل العزاوي، كان السجان «العارفي» نسبة إلى حكم الأخوين عارف، يسمح لهما بقراءة كتب الوجودية «الوجود والعدم» و»الغثيان» ويمنع عنهما كتب «راس المال» و»الثامن من برومير» وسواهما، فيما أشار مرة عرضاً الشاعر الراحل سامي مهدي في كتابه «الموجة الصاخبة» إلى بعض الأدباء ومنهم العزاوي، بأنهم يدخلون السجن بتهم سياسية ماركسية في الغالب، ويخرجون منه على المذهب الوجودي.

الإطار النظري للأقلمة السردية
إن مشروع نادية هناوي السردي في هذا الاتجاه، يغدو إطاراً نظرياً لأكثر من فريق بحثي، يبدأ بإقالة العثرات الأيديولوجية، إذا لم نقل إزاحتها وكشف الطريق الحقيقي نحو إيجاد علم سرد محلي وعربي، يتناغم مع نمو البنيات العامة ويعيد تشكيلها وبناء دلالاتها وفقاً لتكيفها وتمثيلها الاجتماعي والتاريخي، وتبدو فيه هناوي مثل جوليا كرستيفا عراقية، أو عربية، تكتشف نظرية أدبية للسرد المحلي والعربي عبر التناصات والسيميائيات الجديدة المحيطة بالنصوص السردية المحلية والعربية، وترفع الستار عن عيوبها المتمأسسة، ما يتيح للباحثين مضامير انطلاق، يوفرها الإطار النظري لعمليات البحث، على سبيل المثال لو يتصدى مشروع الأقلمة السردية للتمثيل الاجتماعي في النصين القصصي والروائي العراقي منذ الستينيات وحتى 2003، لوجد أن المجتمع لا يقف بموازاة النص كفضاء مرجعي، بل يجري تمويهه، أو تجريده في نصوص معينة، فيما يتم تصنيعه كشرعة أمل زائف في نصوص أخرى، فضلاً عن تعويم خصوصياته اللغوية أمام التعريب الثقافي المطلق، رغم أكثر من خصوصية لغوية ومكانية متعددة وكل ذلك يحصل بدرجات متفاوتة كإحدى نتائج الكتابة السردية على قاعدة المجتمع السياسي لا الأدبي.
وفي المسار النقدي، تبدو المشكلة ذات اتجاهين، الأول يخص النقد المحلي نفسه فما أن يستقر على نحو ما في التأقلم المنهاجي، ويتخذ موقعاً مقبولاً على خريطة الفكر النقدي، حتى تعصف به متغيرات عالمية جديدة وتعيد عملية الأقلمة والتكيّف بوصفهما بحثاً موجهاً داخل المؤسسة السياسية.
تبعاً لذلك، علينا أولاً تحديد واشتراط الجانب المحلي السردي الصرف من مفهوم الأقلمة الكلي والواسع، والتركيز على نشأة القصة والرواية في بلادنا بوصفهما وافداً ثقافياً ذا سمة اجتماعية وتاريخية، تحتاج إلى تكيّف وتبيئ مستمرين مع متغيرات وظروف التحديث السائدة منذ نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، وتفرض آليات تلقي واستقبال متفاوتة، سوف يقابلها ارتكاس إنتاجي منتظم بين ما درجت عليه الكتابة القصصية في سياقها الحكائي المتوارث، وصعوبة إحداث تحول فني حاسم لأسباب واقعية جداً تمت بصلة إلى تأثير الخطاب الموروث السائد ونشأة مبكرة ومتعثرة لنص حديث، على سبيل المثال كانت قصص الرؤيا لدى عطا أمين وسليمان فيضي، تدشن واقع الحضور الفني على نحو ما، ولكن في إطار رؤيوي غيبي، ينتمي إلى متخيل الرؤيا في خطابها الديني، كما كتب عبد الحق فاضل قصة تحاكي «الجريمة والعقاب»، لكنه وصفها بالنسخة الكاريكاتير الهزلية التي تقابل اللوحة الأصلية الجادة فتاريخ السرد لا يعيد نفسه أيضاً.

عودة النصوص إلى فضائها الاجتماعي
إذن ليست الأقلمة السردية مسباراً لبنية النصوص الأدبية، ولا تُعنى حتى بأقلمتها الخاصة، كونها قالباً فنياً غير محكم في سياقه المحلي قدر ما هي تحديد مؤشرات الفضاء المرجعي للنصوص، وقدرته النامية في الواقع المتغير على تشكيل نوع التأقلم، فلم ير محمود أحمد السيد أبعد من ذهوله السياسي بقدوم القوات الإنكليزية لبغداد دافعاً للكتابة الموسومة بتكيف وتلازم سردية السياسة مع الفن، ما أسبغ على القصة والرواية تأقلماً أيديولوجياً وسلطوياً، امتد وتفرع في إرساء يوتوبيات سياسية سرعان ما تقوضت أمام إخفاق متغيرات لاحقة، ومن ثم لم يكن بأي حال، الفشل السياسي الساحق نجاحاً نسبياً للأدب.
إن الأقلمة السردية مرهونة بفضائها المرجعي الاجتماعي، ومن المستحيل أن تنشأ في ظرفية سليمة داخل مؤسسة حكومية، كما درجت القصة والرواية في سياقها المحلي في بلادنا، ومن ثم نحتاج إلى فك اشتباك وإعادة ترتيب لخط شروع جديد.
ومن الطريف أن فض الاشتباك قائم الآن بسبب المتغيرات السياسية بعد 2003 فلم تعد الحجرات المؤسسية معنية بتضييق نافذة الحلم الأدبي والتحكم بالنشر، بل تركت فراغاً ثقافياً مثل أرض هُيئت لاستنبات بذور جديدة ويُشبه هذا إلى حد كبير بداية الثلاثينيات من القرن الماضي، إذ كانت دور النشر والمطابع تقام إلى جانب المكتبات والمقاهي حتى عادت لحظة الأقلمة العفوية إلى شارع المتنبي ثانية، بعد أكثر من سبعة عقود من استلابها عن المكان نفسه، ولعل بذور الاستنبات النقدي سينتج حقولاً متخصصة ومن ضمنها مشروع نادية هناوي السردي.

كاتب عراقي

المكان والزمن: وجهة نظر «منعطف النهر» للروائي ف.س. نايبول… الأنا والأنا الوطنيةمنذ يوم واحد رامي أبو شهابالمكان والزمن: ...
15/05/2026

المكان والزمن: وجهة نظر «منعطف النهر» للروائي ف.س. نايبول… الأنا والأنا الوطنية
منذ يوم واحد

رامي أبو شهاب

المكان والزمن: وجهة نظر

تنشغل رواية « منعطف النهر» للكاتب ف. س. نايبول – ترجمة محمد أحمد الجوادي- بلحظة مفصلية من ناحية تصوير ارتباك ما يمكن أن نطلق عليه زمن ما بعد رحيل الاستعمار المادي، أو المباشر، ذلك أن هذه الممارسة ما زالت تخلّف وراءها الكثير من الممارسات التي نتجت بفعل الترسبات التي خلقت نوعاً من التشوه في قراءة الذات، وتعريفها في سياق جديد، كما أنها أحدثت نوعاً من ردة الفعل العنيف تجاه الأنا الوطنية الثقافية، وخير من يمثل هذه الرؤية الروائي البريطاني الترينيدادي «نايبول»، الذي نقع معه على شيء من القسوة والنقد العنيف لتكوينات ما بعد الاستقلال، بحيث تكاد تضرب عمق الذات الوطنية، أو ذلك التكوين العميق للثقافات التي عانت من هذه الإشكالية، وفي هذا السياق لا بد من استجلاب النقد الاحترازي من لدن إدوارد سعيد، الذي أشار إلى أن نايبول قد منح المركز الغربي أفضيلة أن يكون شاهداً على فشل العالم ما بعد الكولونيالي، غير أن هذا، من وجهة نظري، لا يقلل من قيمة أعمال نايبول، علاوة على وجاهة بعض مقولاته السردية تبعاً للواقع والمثال المعاين.
يمكن القول إن رواية «منعطف النهر» تعدّ مكانية إلى حد ما، ذلك أن عنوانها ينطوي على الكثير من الدلالات الكنائية، التي تحيل إلى تكوين النهر بوصفه جزءاً من الفاصل التاريخي بين تكوينين: الأول، الماضي الاستعماري الذي لم يتلاشَ، والثاني الحاضر الوطني الذي ما زال في طور التشكل، ومع أن النهر يحيل إلى قيم العطاء والخير، غير أنه يُجسد في الرواية بصورة مغايرة، بالإضافة إلى أن كلمة «منعطف» تعني تلك اللحظة التي ربما تؤول فيها الأحداث إلى شيء غير متعيّن أو متوقع؛ فغالباً ما تعني كلمة «منعطف» ذلك التحول، وما يكمن خلفه من مفاجآت.
وعلى الرغم من أن الرواية لا تذكر المكان بشكل متعين وواضح، إذ تجعله أقرب إلى دلالة تحيل إلى افريقيا برمتها، من منطلق توفر البعد الاستراتيجي السردي الذي ينهض على الرغبة في تحييد دلالة المكان، حيث إن المهم حقيقة نقد الواقع الذي يكاد يتماثل في الكثير من الدول. وبناءً عليه، فليس مهماً الإحالة بمقدار ما هو مهم التمثيل.

هويات معلقة

تتخذ الرواية من شخصية سليم، الذي يحيل إلى مرجعية شخصية مسلمة من أصول هندية مركزاً لها؛ إذ يهاجر إلى تلك المدينة التي تقع عند منعطف النهر في محاولة للبحث عن ذاته وتكوينه، بأثر من سردية حملها رجل اسمه نصر الدين كان يعمل تاجراً في تلك المدينة. وعند وصول سليم، يبتاع المحل الذي كان لدى نصر الدين، ويبدأ في تأسيس تجارة، ومن ثم سرعان ما يبدأ في تكوين علاقات محدودة إلى حد ما مع المحيط الذي يبدو لنا متعدد الهويات والأعراق.، وبذلك تقع الشخصية في فضاءات متداخلة تحمل شيئاً من الإرجاء في تعريفها، وتموضعها الهوياتي. فثمة شخصيات تتقاطع مع سليم، وتحمل في تكوينها الكثير من الإحالات والأبعاد الدلالية. وبذلك هو يماثل المدينة كونه يقع في منطقة بينية رمادية؛ فهو ليس افريقياً خالصاً، إنما مزيج رمادي بيني يعاني من اغتراب وجودي متعدد المستويات، فعلاقته بهذه المدينة تعمق أسئلة سليم تجاه الواقع الذي يعيشه؛ فهو شخص، على ما يبدو، قد انقطع عن جذوره، واتصالاته، غادر وطنه إلى هذا المكان، بيد أنه كان عاجزاً عن إيجاد معنى لوجوده فيه، أو حتى في أي مكان آخر.
من الشخصيات التي تتقاطع في عوالم سليم شخصية «متّي» أو الخادم الذي ينتمي إلى أصول افريقية، حيث ينتقل، أو ترسله عائلة سليم، إلى المدينة كي يقوم بخدمة سيده. ومن ثم نجد الشاب الافريقي «فرديناند»، ابن السيدة «زابث» – إحدى العميلات التي تحضر إلى المتجر- حيث تقوم بتكليف سليم بأن يكون راعياً لابنها الذي ينتقل إلى المدينة للدراسة، بالإضافة إلى شخصيات أخرى، غير أن الأهم صديقه الذي يمثل صورة أخرى لوعي سليم الذي لم يكتمل، ونعني به «إندار»، الذي يصور ذلك التعدد والتنقل بين عوالم متعددة، بين الشرق والغرب، والشمال والجنوب.
في حين تحضر علاقة سليم مع ريموند وزوجته إيفيت بوصفها ذلك الاتصال بالوعي الأوروبي، الذي يسعى إلى تكوين الخرائط المفاهيمية للتاريخ الافريقي. فريموند أحد الكتاب والمفكرين الذين يتصلون بالرجل الكبير، ونعني به الديكتاتور الذي يحكم تلك الدولة، ومن هنا تحدد مهمة المؤرخ الأوروبي بإعادة صياغة، أو صوغ التاريخ الإفريقي، من منظور الوعي الأوروبي. ومن هنا نرى كيف تتكون العلاقة بين السلطات المحلية وبعض الكتاب الأوروبيين من ناحية خلق معادلة مشوّهة للتاريخ؛ ولاسيما الحاجة إلى الصوت الأوروبي بوصفها محاولة لإضفاء نوع من الحقيقة، كما أرشفة التاريخ من لدن السلطة.
يمكن النظر إلى العلمية السابقة على أنها نوع من أنواع المعرفة الاستعمارية الوظيفية لعقلنة هذا الوعي المشوه، وهي تتشكل ضمن مقولة الخطاب، ولاسيما في مواجهة الآخر، أو ما هو خارج افريقيا. وبمجرد انتهاء هذا الدور الذي يضطلع به المؤرخ الأوروبي، فإنه سرعان ما يتم دفعه إلى الخارج، أو بمعنى آخر يتراجع دوره المعرفي.
إن ما يهمنا تكوّن العلاقات في الرواية من قبل الشخصيات التي تندفع لبناء تصورات تتجه للجميع بين الافريقي والأوروبي، ومن ذلك نراه في العلاقة الجنسية التي جمعت بين سليم وإيفيت – زوجة المؤرخ الأوروبي- كونها تحيل إلى ذلك الاستيهام الجنسي، الذي يحمله كل طرف تجاه الآخر، ولكن من مبدأ ذلك الفراغ الذي يكمن في داخل كل منهما، غير أن هذه العلاقة سرعان ما تتهاوى؛ كونها تفتقر إلى تلك التكوينات الصلدة، ولعل ذلك ما يبرر ذلك الاعتداء الذي يقوم به سليم على إيفيت ضمن دلالة رمزية لانبعاث العنف من الداخل، وتمكنه تجاه هذا الآخر، بالتضافر مع محاولة تشكيل السلطة الجديدة التي تبرز من خلال ذات سليم الهجينة تجاه الأوروبي، وربما تذكرنا بصورة أو بأخرى بشخصية مصطفى سعيد، وعلاقته بالمرأة الأوروبية في رواية الطيب صالح «موسم الهجرة إلى الشمال».

نقد البنى الوطنية

تسعى الرواية إلى تكريس نقدها لصورة الديكتاتور الذي يطلق عليه بصورة واضحة «الرجل الكبير». وهنا نلاحظ، أن نايبول يقدم نقداً عنيفاً لهذا الوعي السلطوي الذي مكن معظم الدول التي استقلت بعد الاستعمار، إذ يرى أنها تصور نوعاً من الامتداد للذات السلطوية عينها التي أنتجها الاستعمار. كما أنها قد تتخذ الاستراتيجيات عينها لتعميق سلطتها، وقد نرصد نوعاً من التواطؤ بين المخلفات الاستعمارية وهذه النخب، أو السلطات الحاكمة الجديدة، ومن هنا يعمل نايبول على خلق صورة ذلك التكوين الديكتاتوري من خلال رسم شخصية هذا الرجل الكبير، ومن ذلك، على سبيل المثال، انتشار صوره في كل مكان، كما تلك الأقاويل التي يخلقها حول ذاته ووعيه ودوره ومرجعيته وأصله، وما يقوم به من محاولة بناء أماكن تستجيب للمعايير الغربية، والتي تبدو ـ بدورها – منفصلة عن الشروط التاريخية لعملية التحديث والبناء، أو ما يمكن أن نطلق عليه التحديث القسري، كما شهده الكثير من الدول المستقلة، حيث تبدو البنى سطحية أو مفروضة من الخارج، لا تستجيب للأولويات، ما يجعلها أقرب إلى نموذج لبناء التفاوت لا للمعالجة الحقيقية.
ثمة نقد لهذا النهج الذي أسهم في خلق نوع من أنواع النخب التي تتصل بالسلطة، وهكذا نرى أن المكان يتحول إلى نوع من أنواع التناقضات التي لا تنتهي؛ فثمة وجود للسلطة المترفة، وأتباعها، وثمة الفقر والجوع والتخلف في أماكن أخرى، وثمة تلك النزاعات، وبنية العنف التي تتولد، أو التي لا تنتهي، بين السلطة والقوات الأخرى أو الثائرة، أو القبائل ليقود إلى واقع من الفوضى لا ينتهي، وعلى ذلك يمكن محاولة قراءة ذلك الخلل في التكوينات التي شهدتها تلك المنطقة من وجهة نظر نايبول، الذي ينتقد بصورة عميقة البنى العقلية للكثير من الشعوب التي عبرت افريقيا، ومنها الأوروبية، كما الحضور العربي الذي كان له دور في تلك المنطقة قبل أن يرتحل أو يغادر، والأهم نقد الذات الافريقية الوطنية.

الوهم الأوروبي

إن لحظة الصدام مع السلطة تأتي من خلال ذلك الوعي بالتصوير بين الغرب وأوروبا، كما اختبرها سليم الذي ارتحل في رحلة إلى أوروبا للبحث عن واقع آخر بديل لافريقيا، وعلى الرغم من ذلك فإنه لم يستطع أن ينهي ذلك القلق الذي كمن فيه؛ لأن المشكلة ليست جغرافية بمقدار ما هي وجودية، حيث الارتباط بالمكان يتصل بجدلية الاستحالة، إذ لم يشعر أن ذلك المكان، أو أوروبا يعني له الكثير، فهي لا تتمايز عن افريقيا التي سرعان ما يعود إليها، ولكنه يواجه اصطداماً عنيفاً مع السلطة التي بدأت بالتغول على السكان، ولاسيما الأجانب منهم، عبر محاولة استنزاف مواردهم، واستغلالهم عبر طلب الرشاوى، وغير ذلك. ومن هنا بات سليم في تكوين صورة المعادي للسلطة، أو للرجل الكبير- الديكتاتور- وفي هذا السياق تتضح قيمة شخصية فرديناند (الفتى) – الذي رعاه سليم- بوصفه يمثل الإنسان الافريقي الذي كان لديه الكثير من الأحلام، والرغبة في التعلم من أجل بناء وخلق وطن مثالي يجسد أحلام الافريقيين، ورغباتهم. فهذا الفتى الذي انتقل إلى العاصمة ليحصل على شهاداته، وعلى تعليم متقدم، سرعان ما يدرك أن التغيير لن يتحقق، وبذلك فهو يجسد انكسار أجيال، ومقولة ضياع مشروع الوطن، ويتضح ذلك بعد أن يعود الشاب إلى مدينته موظفاً أو مسؤولاً فيجد سليم (راعيه) محارباً من السلطة، وقد يتعرض للقتل أو الإعدام، فيقوم بتهريبه على ظهر سفينة مغادرة، بعد أن يعي كلاهما (سليم وفرديناند) بأن هذا المكان قد آل إلى الدمار أو الخراب.

خلاصات
يمكن أن نخلص إلى أن مجمل الشخصيات في الرواية: سليم، متّي، وإندار، وريموند وزوجته إيفيت، كما ماهيش وشوبا، والتاجر نصر الدين، وفرديناند، وغيرهم، يمثلون تلك الذوات التي تعاني من تآكل الهوية، والانتماء، فهي كيانات لا تستقر في مكان ثابت، وتعاني من ذلك الارتحال المستمر جغرافياً، وذهنياً، ومن هنا تتحول الذاكرة إلى جزء مرهق من تكوينهم ضمن مقولة تقترب من تثبيت معادلة الهوية الهجينة، ولاسيما في فضاء تتداخل فيه الثقافات والأعراق، وبذلك ننتهي إلى مقولة الإرجاء الهوياتي، ولكن المشكلة تكمن في أن ذلك كله يقع في مكان لم يتمكن بعد من التخلص من تشوهاته ما بعد الكولونيالية، ربما لخلل في الذات، أو ربما لشيء آخر.

كاتب أردني فلسطيني

يوميات كافكا: حياة على حافة الكتابة والمرض هاشم شفيقفرانز كافكا كحال العباقرة الذين يرحلون باكراً، رحل عن واحد وأربعين ع...
03/05/2026

يوميات كافكا: حياة على حافة الكتابة والمرض

هاشم شفيق

فرانز كافكا كحال العباقرة الذين يرحلون باكراً، رحل عن واحد وأربعين عاماً، بعد أن عانى طويلاً من إصابته بمرض التدرّن الرئوي، ولكنه كان يحيا حياته العادية، يسافر ويحب ويكتب. كتب كافكا كثيراً قياساً بسنّه الصغيرة المتمثلة بأربعة عقود، ولكنها كانت مليئة بقصص غرائبية وحكايا خيالية، على الرغم من كونها مستمدة من واقعه الأليم، ذاك الذي تجسّد في غربته واغترابه عن واقعه ومحيطه وعائلته، كما تجلت لنا في علاقته بالأب ومتطلباته بالامتثال للشؤون العائلية، كمحاولاته في الضغط عليه لمراقبة معمله، لغرض إدارته والإشراف عليه، ومن جهة أخرى ضغوط مرضه الذي لازمه مبكراً، فكان يتعيّن عليه الامتثال لأوامر أطبائه، في التزام طرق العلاج والوقاية، ثم العيش في أمكنة صحية، عبر التنزه في الحدائق والبساتين والحقول والبراري والأماكن الجافة وغير الرطبة، تلك التي تتمتع بالشمس والهواء النظيف، بعيداً عن هواء المصانع والأماكن الدامسة والباردة، الملوّثة بدخان المعامل، ناهيك من علاقاته بالفتيات اللواتي صاحبهنّ وهجرهنّ ليرتبط بواحدة لا غير هي ميلينا، ليعيش حباً لم يدم طويلاً بسبب المعاناة الشخصية، وبسبب المرض الذي كان يعد من الأمراض الأولى في ذلك الزمن، قبل أن يجدوا له في ما بعد، الوسائل الوافية للعلاج.

عانى كافكا أيضاً من عمله في شركة التأمين، تلك التي عمل فيها وأمنّت له رزقاً معيّناً، إذ حمته من غائلة الاعتماد على مال والده، وهو ابن عائلة يهودية موسرة، فحمى نفسه بنفسه، لكي ينفرد بمشروعه الإبداعي والجمالي، بغية المضيّ فيه عميقاً، محوّلاً معانته الحياتية، ثمّ بصيرته النافذة في الأشياء وتماسه اليومي مع الناس والوظيفة، إلى قضايا فنية وإبداعية بارعة ومكينة، جسّدت تصوراته وانفعالاته ومعاناته الكابوسية إلى فعل كتابي، تبلور على سبيل المثال لا الحصر في رواية «المسخ» روايته الشهيرة التي تحوّلت إلى شهادة إدانة للواقع اليومي، وللحياة العادية، التي صيّرت الإنسان إلى مسخ وغير آدمي، وكذلك كان سعيه الرؤيوي عبر أعماله الفذة «المحاكمة» و»القصر» و»مستعمرة العقاب»
و»أمريكا» و»تأمل»، ناهيك من قصصه المثيرة ويومياته التي بين أيدينا، التي استمر في كتابتها المتقطعة لمدة ثلاثة عشر عاما، وكذلك رسائله المشوّقة إلى ميلينا، صديقته وخطيبته، تلك الرسائل المريرة، حيث سبق لكاتب هذه السطور أن تناولها نقدياً، مستعرضاً ما ورد فيها عبر صفحات هذا المنبر.
جل ما كان يكتبه كافكا، كان يقرأه صديقه المقرّب ماكس برود، معطياً ملاحظاته في كل ما يعرض عليه، كان ماكس برود ملازماً لكافكا أكثر من عائلته، كانا يبدوان مثل شقيقين، يذهبان إلى المقاهي والمطاعم والمسابح معاً، ويقومان كذلك بسفرات مشتركة إلى باريس، وغيرها من البلدان الأوروبية، لغرض الاستجمام والراحة والاكتشاف، كانا يدّونان كل ما يمرّ بهما من وقائع وإحداثيات ومشاهدات، ولاسيّما الأعمال المسرحية، التي كانت رائجة جداً في ذلك الزمن، الذي مرّ عليه أكثر من قرن.

تأثير كافكا في العالم الأدبي والروائي لكبير، نتيجة استغواره لأعماق الحياة الإنسانية، بكل ما تمر به من تحوّلات وتبدّلات في مسارها اليومي وتماسها مع الأشياء والكائنات، تأثيره امتد لكتاب كبار، ويا للعجب حين نقرأ يوميات سارتر وسيمون ديبوفوار، ونرى كيف كانا معجبَين بما قدمه كافكا، من أعمال ملهمة ومثيرة، وتحمل فكرة جديدة، هذا المبدع الذي لم يكن يحلم حتى بدائرة صغيرة من القراء، فقراؤه كانوا قليلين، بسبب كتابة كافكا النموذجية، وكذلك بسبب رؤيته الخاصة إلى الحياة والعالم والموجودات في ذلك الزمن، زمن مطالع القرن الفائت.
أما اليوم فقراء كافكا بالملايين، دائماً هناك طبعات جديدة في عواصم العالم لرواياته وقصصه ويومياته ورسائله، منزله الذي يقوم على تلة في العاصمة التشيكية براغ، أصبح متحفاً وهو يلم حاجياته وسريره وأدوات المطبخ ومكتبه، وبعض دفاتره وكتبه بطبعات مختلفة، بيت صغير بنوافذ تطل على زقاق حجري، منحدر باتجاه العاصمة براغ، ويقع في الجهة الثانية من المدينة، تلك التي يقطعها نهر «فولتافا»، فيقسمها بمروره في العاصمة إلى قسمين، وسوف لن أنسى باب المنزل الخشبي المصبوغ بالأحمر، يوم زرته حين كنت أقيم في براغ، ذكرى جميلة وبعيدة، ولّدتْ لديّ بعد الزيارة قصيدة عنوانها كان «منزل كافكا»، وقد نشرتها في ديواني الثاني عشر «مئة قصيدة وقصيدة» الصادر في بيروت قبل أكثر من عقدين.
نعود إلى اليوميات، ففيها نرى كيف كانت حياة كافكا، ولاسيّما علاقته بالكتابة، فيدوّن على سبيل المثال في أكثر من مرة: «لم أكتب شيئاً اليوم». وفي مكان آخر من عام 1913 وفي العشرين من شهر أكتوبر/تشرين الأول يكتب التالي «أقرأ الآن المسخ في المنزل وأجدها رديئة، ربما أنا ضائع حقاً، حزن هذا المساء سيعود ثانية، لن أتمكن حينها من مقاومته طويلاً، يحرمني من كل أمل، بل إني أفتقد الرغبة في الاستمرار في كتابة اليوميات، ربما لأنه ينقصها الكثير الآن، ربما لأنني مضطر أبداً لوصف الأفعال غير المكتملة، في كل مظاهرها بالضرورة غير مكتملة، ربما الكتابة نفسها تزيد من حزني، ربما أجد السعادة في كتابة الحكايات الخرافية».

في هذه الفترة التي ذكرتها، كان كافكا مرتبطاً بفتاة مختلفة يذكرها بحرف فاء، وهي غير ميلينا، التي كتب إليها العديد من الرسائل، والتي كان ينتوي الزواج منها، ولكنه كالعادة كان يصطدم دوماً بمزاجه السوداوي الذي ظل يلاحقه، ومما فاقم الحالة السوداوية لديه أكثر هو مرضه، مرض السل الذي كان يعد خطيراً في تلك الأزمنة، بسبب عدم التوصل إلى عَقار له، فكان كافكا متقلّب المزاج والسلوك والطبائع، مرة تراه مرحاً في أسفاره مع ماكس برود، وتارة تراه كئيباً وهو وراء منضدة الوظيفة والعمل اليومي في القانون، في بعض الحالات يجلس ليكتب فتتجلى الكتابة لديه، فيُحسن الصنيع حين يقدم شيئاً مختلفاً وجديدا عما قدّمه في السابق.
كتاب «اليوميات» لفرانز كافكا، ناف على السبعمئة صفحة، وصدر عن دار «أقلام عربية» في القاهرة، بترجمة عماد منصور فشابته بعض الأخطاء الإملائية والنحوية والمطبعية، فلعل المترجم يسعى لتداركها في طبعة لاحقة.

رواية «القالوفة»: سرد العشرية السوداء بعيون المهمّشين منير الحايكالدخول في عوالم رواية معاصرة يعني أنك تبحث عن الجديد وا...
03/05/2026

رواية «القالوفة»: سرد العشرية السوداء بعيون المهمّشين

منير الحايك

الدخول في عوالم رواية معاصرة يعني أنك تبحث عن الجديد والتجريب الذي سيقدمه كاتبها، ولأنّ أشكال الكتابة السردية الحديثة تسعى إلى تجاوز البنيان التقليدي، حتى أنّ الكثير من الحديث منها بات تقليديّا، كي لا نقول تقليدا، يأتي الانفتاح على تقنيات حديثة والدمج بينها أمرا مميزا، إن كان صاحبه متقنا له، وهو ما سوف يعلي من شأن التجربة الداخلية للشخصيات والتجربة العامة للقضايا المطروحة، وفي رواية «القالوفة – عشرية عبد القادر صابونة» (منشورات الربيع 2026) سعي من الكاتب الجزائري عبد الباسط باني إلى هذا التجريب وهذا الدمج بين التقنيات، فهل وُفِّق؟ وهل قدّم نصّا «عشريته» تؤدّي غايتها في طرح قضايا عشريات الجزائر؟
تبدأ القصة مع مشهدية قتل رشيد الصحافي من قبل واحدة من عصابات «الجماعة»، ويكون شقيقه منصوري بينهم، رشيد الذي كان ينتقدهم في مقالاته، يصبح هدفا يجب قتله باسم الدين والشريعة، وهذا بالفعل ما يحصل. وبعده تؤخذ فتيحة زوجته غنيمة حرب، والفتى محمد، ابنه صار يحمل مصباحا ليل نهار، يدور في الأزقة، وينتقل من قرية مليانة إلى عين الدفلى، ويُعرف بـ»الملياني»، ومن هناك تنطلق الحكايات بغرائبياتها وعنفها، ونقدها وسخطها تجاه الواقع، مع فصل «حمّو» الكلب الذي يبدأ بسرد قصته أيضا.
يُقتل رشيد خلال العشرية السوداء في تسعينيات القرن الماضي، ويظهر الكلب مدافعا عنه، وبعد الكلب وقملته يظهر عبد القادر صابونة، الذي عرفنا من عتبة النص إنها عشريته، فمن يكون؟ عبد القادر يحاول اغ**اب كلبة ولكنها تعضه فيصبح مخصيّا، يُطرد من الجماعة، لأنه ما عاد رجلا، ولكنه، ولحنكة لديه، أو مصادفات قدرية، أو عبثية تحكم بلاده، وهي المقصودة في الرواية، يصل إلى منصب رئيس البلدية، السلطة، ممثلة السلطة، رمز السلطة في البلاد، التي تصل فيها الرواية إلى عام 2019، مع ثورة أخرى تنشأ، ولكن قادتها الحيوانات، وخصوصا الكلاب.
يتلاعب الكاتب بالسرد والسارد، فيظهر الكلبان، حمّو ومن بعده النيطوش الذي يقود الثورة، ويُحاكم في النهاية، وهما كلبان بالشكل، وشخصيتان رئيستان متحكمتان، ليس بالسرد فقط، بل بأحداث رئيسية أيضا، حمّو الذي يأكل كبده الناقد اللعين، والنيطوش الذي يقرر الملياني أن يكون بطله، فيزرع له الناب الذهبي، الذي يصبح الأساس في التهم الموجهة إليه في النهاية.
الرواية ممتعة، تتراوح بين الواقعي والعجائبي، وفي لحظات من العجائبي فيها تنسى أن كلبا يسرد أو قردا، أو قملة تحت ذيل كلب، لأن في الرمزية المقصودة والصفات الممنوحة لهذه الشخصيات ما يعطيها بعدا إنسانيّا عندما نقيسها، من دون أن ندري، على حياتنا وعلى الناس في مجتمعاتنا، وخصوصا المهمّشين فيها، فمبارك، اللعين أو الحنون، والملياني وليندا، وحتى صابونة وكل الشخصيات البشرية الواقعية، كان اختيارها لسبب واضح، وهو التركيز على هؤلاء وما أصابهم، وما سيستمر في الحدوث معهم، مهما توالت العشريات وتعددت أسبابها، فهي ستظل واحدة. وما الحيوانات التي دخلت خط السرد والثورة، ثورتهم ضدّ «القالوفة» وهي حقيقة الجهة المسؤولة عن جمع الكلاب (وقتلها)، إلا ليقول إن الكلب والقرد وغيرهما من حيوانات، ما هي سوى من هم في أدنى مستويات التهميش والفقر والعوز والمعاناة في متجمعاتنا، وعندما تحدث الثورات، يكون هؤلاء في مقدمتها، فالكلب دافع، أو حاولَ، عن رشيد، والنيطوش دافع بالفعل عن الملياني، والتضحية دائما تكون بهؤلاء وهم في مقدمات كل ثورة وكل تضحية.
أعطى الروائي نصه تبريرات لدخول الحيوانات على خط السرد، من خلال سرد رواية داخل رواية تُؤلَّف، وجعل مبارك يعود إليها في النهاية ليعدّل ما أراده، وليجعل من نفسه حنونا، أما المشهد الأخير مع الناقد، فقد كان لرمزيته الشأن الأقل برأيي، حتى إن جعله النص يكتشف أنه أكل كبد كلب! وظهور صابونة الذي بدأ يخف تدريجيّا، هو برأيي من الهنات التي كان يمكن للرواية أن تتفاداها بعدما عقّد كاتبها خيوط السرد والشخصيات، ولعل مقطع «قملة حمو» في بدايتها خير دليل على أن الكاتب كانت خطته مغايرة، ولكنه عندما عدّلها، حاول الإبقاء على تفاصيل ويبرر لها وجودها، عندما أخذت الرواية تنحو في خطوط وتشابكات أخرى.
ليندا تظهر ونقرأ أوراقها، وتعرف ويعرف الملياني أنهما أخوان، تدافع عنه وعن الكلب، وتدافع عن وجودها، أما مبارك فلم يستطع أن يتخطى أصوله، ولم ينجح حتى بالموت كما يقول. علاقته بصابونة الذي بات مخنّثا قد تُرى مقحمة على النص، وكان يمكن لها أن تكون من خلال أمور كثيرة غير الجنس، ولكن لا بأس والبلاد ومن يحكمها فيها من الغرابة ما لا يُحتَمل ولا يقبله عقل، فكانت الحيوانات الأبطال وعبد القادر ومبارك وكل الأحداث التي جرت، لتدل على أنّ البلاد لا تسير كما شاء لها أبناؤها، رشيد وابناه من بعد، فكانت لثورة الحيوانات الدور في إظهار تلك الغرابة في تاريخ بلاد يضحي مليون من أبنائها لتستقل، فتختار لها مستقبلا كهذا!
لغة النص جذلة ومتقنة، لم يتخللها سوى بعض المحكية التي تكاد لا تُرى، وبعض الـ»عووو»، وهنا قصدت أن أنقل الكلمة لأنها بواقعيتها، وإن لم تكن مقبولة أحيانا، إلا أن استخدامها كان لضرورة تحكم بناء الرواية وشخصياتها، ومن يقرأ النص سيعي ذلك. أما أسلوب الكاتب فكان، على الرغم من تعدد الأصوات ومن الغرائبية، ظل متماسكا، وظل واحدا، وهنا أقول كان يمكن أن يظهر بعض التمايز عندما نسمع صوت الكلب أو صوت المشرّد أو صوت الناقد! تشابهت أصواتهم، وهذا قد يُحسب على الرواية، ولكنني أجد أنه يُحسب لها طالما أن الجميع من المهمشين، مهما تنوعت أدوارهم في المجتمع الذي ما زال يكرر الفاسد والفساد واللعب بالناس والعقول حتى اليوم.
قامت الرواية على مقاربات نقدية للواقع، فتجلّت فيها مظاهر العنف والتهميش في بنية سردية متكسرة، سمحت بتعدد الأصوات وتداخل الغرائبي بالواقعي. كما اعتمدت على تقنيات سردية حديثة تبرز اضطراب الوعي وتداخل الإنسان مع محيطه، وهنا انعكاس لرؤية سوداوية للعالم، تطرح في الوقت نفسه أسئلة حول الإنسان ودوره في واقع بلاده ومستقبلها!

كاتب لبناني

Address

العراق/بغداد
Baghdad

Website

Alerts

Be the first to know and let us send you an email when سرد posts news and promotions. Your email address will not be used for any other purpose, and you can unsubscribe at any time.

Share