15/12/2025
{غير صالح}.. قراءة في عقد مبادرة دعم السينما
عدي رشيد
هذا المقال هو محاولة قراءة لـما أعتقده مطبّاً مهنياً لـفقرات كانت قد وردت في عقود صادرة من "مبادرة دعم السینما العراقیة" من الفترة 20 تشرين أول 2025 إلى 8 كانون أول 2025، التي كانت قد وجهت إلى عدد من الفائزين في مراحل التطوير، والإنتاج.
والمقال غير معني بأي تعديل يلي تلك التواريخ. القراءة أدناه متأسسة على تناول مهني سينمائي - ثقافي حصراً.
ما يلي من قراءة، هو محاولة في تشخيص يتوسل الدقة لتجنب فقرات ونصوص قد تزلزل الأرضية القانونية والمهنية التي نعمل عليها من أجل تأسيس حلمنا الجامع، هيئة السينما العراقية.
في مجمل العقود التي كنت قد وقعتها خلال العقدين المنصرمين، وأنا أجمع ميزانيات الأفلام التي كنت قد أنجزتها، لم يجرؤ أيٌّ من الداعمين على أن يملي عقداً أو فقرة؛ كل عقود المنح السينمائية هي عقود تفاوضية بالدرجة الأساس كما في أي شريعة بين متعاقدين. وعلى العكس من ذلك فإن حق التفاوض قد زال من تلك العقود المفروضة من قبل "مبادرة دعم السينما العراقية – مكتب رئيس مجلس الوزراء"، وأصبح الفرض هو سمة العقد الأولى، تحديداً على صناع الأفلام من الشباب في فئات الفيلم القصير والتطوير.
من المبادئ الأساسية لفهم آلية صناعة أي فيلم سينمائي هو فهم الفارق الجوهري بين المراحل الثلاث للإنجاز، التطوير والإنتاج الفعلي (التصوير) ومن ثم مرحلة ما بعد الإنتاج (مراحل المونتاج والمكساج.) وكان من البديهي أن يتم تقسيم أموال المنحة بشكلها العام على تلك المراحل ولكل الأنماط الفيلمية. وهنا كانت الصدمة الأولى، ربما الأشرس، في تأملي لهذه العقود، أنه عقد واحد وموحّد؛ لا يفرق بين مرحلة وأخرى إلا بالعنوان، فمن بين عشرين فقرة قانونية، كانت قد غابت عنها عمق لغة قانون أهل الرافدين، تطابقت العقود في تسعة عشرة واختلفت في فقرة يتيمة هي الفقرة الثالثة والمتعلقة بقيمة العقد وشكل الدفوعات. هذه التطابق الذي يندرج، إذا ما قدمنا حسن النية في قراءته، في سياق استسهال إداري غريب.
ومن المثير للاستغراب أن العقود تلزم من يفوز بمنحة التطوير بذات التزامات من يفوز بمنحتي الإنتاج وما بعده؛ وهذا، مع الاحترام لمن دوّن فقرات العقد، يجسد جهلاً فاضحاً بخصوصية كل عقد ولكل مرحلة من مراحل الإنتاج؛ وبالنتيجة بجوهر العملية السينمائية وبمفردات تكاملها. ولعلمي الكامل بمقدار دقة وحرص عدد من أعضاء "اللجنة العليا لمبادرة دعم السينما" وتحديداً أصحاب الأقلام الواضحة منهم؛ فإني أسأل هنا إذا ما كانت فقرات هذا العقد قد مرّت عليهم بأي شكل من الأشكال؟
وبعد تمعُّن دامَ لأسابيع في فقرات تلك العقود ذات الزي الموحد، فإني سأحاول هنا، وبما تسمح به حدود هذا المقال، الوقوف على ما أجده مركزياً منها.
جاء في الفقرة الثانية من التسلسل المستنسخ لفقرات تلك العقود أن "نسخة البث: النسخة النهائیة من الفیلم بالصیغة التي تحددها المبادرة"، هذه الفقرة هي ببساطة طوق من حديد لرؤيا صانع الفيلم؛ ما الذي تعنيه مفردة "صيغة" هنا؟ هل هو التمثيل التقني للفيلم، أن يكون رقمياً (ديجتال) أو على خامة سينمائية بتنوعها؟ أم هي الصيغة الفنية لشكل المنجز؟ هذه عبارة تخلو من الدقة وهي فخ تقني ـ فني مستقبلي لمن يوقع عليها.
وفي ذات الفقرة الثانية كان قد جاء "حقوق العرض الأول في العراق الممنوحة للمبادرة "، وتأكد في الفقرة الرابعة - أولاً: العرض المحلي الأول "في العراق" للمبادرة الحق الحصري في تنظیم العرض الأول داخل العراق، ولها حرية اختيار المكان والزمان بالتنسيق مع شركة الإنتاج أو المخرج أو من یمثلهما"، في العادة، يتضمن هذا الشرط عقود الدعوم التي ترتبط بمهرجان واضح البنية والتوجه بوضوح مكان و زمان إقامته، وبالتأكيد شخوصه. وهو شرط عادل كون المانح يرغب في العرض الحصري لتلك الأفلام التي يدعهما. ولكون المبادرة ليست مهرجاناً أو تظاهرة سينمائية، فإن الشرط لا يحدد بنية وتوجه العرض الحصري.
بمعنى، أن مكان وزمان العرض يحدده مزاج أعضاء اللجنة وتوجههم الاجتماعي والسياسي. عدم وجود هوية واضحة لشكل وزمان ومكان العرض الأول هو فعل استلاب واضح لحرية الصانع في اختيار البيئة التي تناسب عرض الفيلم، أو على أقل تقدير العلم بها قبل توقيع العقد.
في ذات الفقرة الرابعة - ثانياً جاء: "المعلومة الحصرية: یلتزم المستفید/ المنتج بإبلاغ المبادرة مسبّقاً وبشكل حصري بالمعلومات الكاملة والدقیقة المتعلقة بالعرض العالمي الأول قبل أي إعلان رسمي".
لم أفهم وجود هذا الشرط، لماذا يُلزم الصانع العراقي بأن يبلغ جهة مانحة حول العرض العالمي الأول؟ بينما جملة "وبشكل حصري بالمعلومات الكاملة والدقيقة المتعلقة بالعرض.." فإنها تنطلق من لهاث ساذج في محاولة لـهيمنة ثقافية لا أفهم الأرضية التي تقف عليها.
والسؤال الملح هنا: كيف سيطبّق هذا البند على الأفلام التي كانت قد فازت بالمنحة والتي كان قد تم عرضها العالمي الأول قبل إعلان نتائج المنحة؟ وجود هذه الفقرة في العقد تنفي العقد ذاته، كيف لصانع أن يوقع على هكذا فقرة بعد أن كان قد عرض فيلمه عالمياً وانتهى الأمر؟
أما في ثالثاً من الفقرة ذاتها فإن جملة "یحق للمبادرة تمثیل نفسها أو من تخّوله بموافقة رئیس اللجنة في العرض العالمي الأول للفیلم".
تلخص وبشكل واضح، النية المبيتة لاستمرار فعل الهيمنة من قبل من يسيطر على اللجنة ذاتها "إن استعمال مفردة "مبادرة" تعني تثبيت مجموعة من فاحصي المشاريع (بعد أن كان قد انتهى عملهم) لكي يمارسوا دوراً يتجاوز حدود الأمر الديواني المذكور في متن العقد. والأهم من هذا وذاك: من سوف يتحمل مصاريف هذا التمثيل؟ وهل تم استقطاع مبلغ التمثيل من المبلغ الإجمالي للمنحة أم أن المبادرة تلزم الصانع بأن يتحمل تلك المصاريف؟ ما يهمني حقاً هو الأرضية النفسية التي يمارسها من يحاول أن يستغل الدعم المقدم إلى السينمائي العراقي (وهو حق وطني صرف) لتعزيز حضور شخصي غير مستحق (كون من يرغب بالتمثيل قد انتهى عمله بعد إقرار المشروع، وهو ينتخب نفسه بنفسه ليمثِّل فيلماً دوره فيه كان فاحصاً لا أكثر!).
في الفقرة الخامسة، من كل العقود المرسلة، وردت جملة غاية في الخطورة حيث جاء بالنص:
"رهناً بحق المبادرة، ووفقا لتقدیرها المطلق، وقبل إكمال الفیلم، أن تطلب إزالة اسمها و/ أو شعارها من الفیلم لأي سبب كان".
لماذا؟ وبأي حق؟ ألم يفحص المشروع من قبل لجنتكم العليا؟ ألم يتم مطابقة "الضوابط" المثبتة من قبلكم؟ من له الحق في رفع لحظة فخر وطني في أول دعم سينمائي عراقي؟ هذه فقرة تخضع الفيلم المنجز تحت سطوة ابتزاز ذائقة من المفترض أنها كانت قد حسمت أمرها (سلباً أو إيجابا ) قبل إقرار المشروع.
وإذا ما تمعنا أكثر بذات الفقرة؛ فإننا سوف نجد أنفسنا أمام سؤال مركزي لفهم لعنة تبديد المال العام؛ حيث إذا ما امتلك أعضاء اللجنة في المبادرة" حق إزالة اسمها و/أو شعارها من الفیلم لأي سبب كان"فهل هذا يعني أن المستفيد (صانع الفيلم العراقي) ملزم بإعادة المبلغ المستلم من قبل المبادرة؟ أم إنه استباحة مضافة للمال العام؟ ما هو موقف الرقيب المالي في الدولة العراقية من صرف مبلغ من مال الدولة؛ ليقرر بعدها من بيده القرار بطلان حق الدولة في تثبيت اسمها و شعارها على المنجز المدعوم؟ كذلك لننتبه إلى اللغة القسرية في استعمال جملة "لأي سبب كان!!" من يحدد هذا السبب وطبيعته؟ هل يتضمن هذا أسباباً مثل أسلوب المونتاج واختيار الموسيقى؟ عنوان الفيلم أو لهجته مثلاً؟
أما في البند الثالث من الفقرة ذاتها فقد جاء "كون المبادرة هي المقدم الرسمي والرئیسي للأفلام القصیرة، حیث تعد المبادرة المساهم الأكبر في مبلغ الفیلم بالنسبة للأفلام القصیرة ویتم تعاملها معاملة المنتج الرئیسي.. ".
هنا يمتزج فعل القسر بعدم دراية واضحة للصلاحيات الإدارية لعمل لجنة مؤقتة ولحدود حركتها؛ حيث إن المبادرة ليست جهة إنتاجية. هي ليست دائرة السينما والمسرح ولا شركة خاصة ولا عامة. المبادرة كيان مؤقت بلا قانون داخلي، لا حق لها أو لمن يحركها فعل الاستملاك أو كما جاء في صيغة الفقرة أعلاه "یتم تعاملها معاملة المنتج الرئیسي" ماهي الأرضية الإدارية/ القانونية لهذه اللجنة كي تلعب هذا الدور الحساس؟ كيف لشخوص لجنة "مؤقتة" وهي بطبيعتها الوجودية مانحة وليست مستثمرة أن تستملك فيلماً؟ هل يعي من بيده القرار أن "مبادرة دعم السينما" وكما يتضمن عنوانها، ليست سوى داعم، وهو بصفته يختلف عن المنتج، وعن الشريك؟ هذا الخلط بين دور الفاحص والمانح، ثم المانح والشريك والمنتج هو خلط خطير.
وقد جاء في الفقرة السابعة من فرانكشتاين العقود هذا "تبقى جمیع حقوق الملكية الفكرية الخاصة بالفیلم ومنها حقوق الطبع والموسيقى والمواد المصاحبة للمستفید، باستثناء ما منح للمبادرة بموجب هذا العقد". هذه فقرة ملتوية، نفسياً وقانونياً، أن يحتفظ الصانع العراقي بحقوق عمله فكرياً؛ فهذا حق مكتسب، وهو وليس منّة من أحد. وجود الفقرة أعلاه هو تصريح ضمني، وليُعِنِّي أهل القانون هنا، بأن ما تبقى من حقوق هو ملك للمبادرة. ولكون المبادرة كيان مؤقت بلا قانون داخلي، فالمحصلة هي ملك لمن يمثلها.
عندما أقررتُ مع فريق العمل عنوان "غير صالح" على أول تجربة سينمائية عراقية قد أعقبت احتلال 2003 - كنت قد أدركت حينها أن العنوان هو منهج بحث يتجاوز الحدود التقنية للمصطلح (كون الفيلم الخام المستعمل كان خارج صلاحية الاستعمال) ولا يزال مصطلح "غير صالح"، بالنسبة لي، منهج الإصرار على البحث في الصلاح، وإن أحاطت بنا ظروف أغلبها غير صالحة. وهذا عقد قد كتب في مناخ قد غاب عنه الكثير من الصلاح.