09/08/2026
أنا لما سمعت الكوبليه بتاع:
«متشكر جدًا جدًا على وقتك تاني يا دكتور.»
«العفو يا سيدي، اتفضل.»
«وإداني روشتتي تاني، مشطوب منها أربع سطور.»
فراح الدكتور قاله: «مش حاسس إنك أحسن من المرة اللي فاتت؟»
فأمير رد: «مش حاسس أصلًا بحاجة.»
لأنه قبل كده أمير في برنامج Sold Out مع محمود سعد، لما سأله: روحت ليه لدكتور نفسي؟
فقاله إنه بقى مش بيحس بحاجة… لا حاجة بتزعله، ولا حاجة بتفرحه، ولا حتى بيحس بالحب.
ومن هنا بدأت أفكر في حكاية أمير بشكل مختلف.
والد أمير انفصل عن أمه وهو لسه صغير جدًا، لدرجة إنه يمكن مكنش في السن اللي يخليه يفهم أصلًا يعني إيه انفصال أو غياب أب.
أمه اتولت تربيته. أمه كانت بتشتغل الصبح مدرسة، وبالليل في العقارات، وبيقول إنها رغم كل ده مكنتش مخلياهم محتاجين حاجة.
لكن أمير كان شايف التعب اللي بتبذله عشان توفر لهم احتياجاتهم.
فبدل ما يتعلم إن «أنا أطلب وأخد»، اتعلم إنه «أنا ممكن أستغنى».
الحاجة اللي مش في استطاعتهم؟ يستغنى عنها.
الحاجة اللي ممكن تتأجل؟ تتأجل.
وأي حاجة بسيطة ممكن ترضيه.
كبر أمير وهو متعود يعيش على القليل، لكن في المقابل كان جواه غضب كبير جدًا.
كان عنيف وهو صغير، واترفد من المدرسة 3 مرات، وكان عنده مشاكل واضحة في التحكم في غضبه.
لحد ما عرف يحول الطاقة دي لحاجة تانية…
للموسيقى.
للغناء.
لكتابة الأغاني.
وهنا بالنسبة لي بيظهر دور الفن الحقيقي.
لأن الفن مش دايمًا بيكون هدفه إننا نطلع «حاجة حلوة».
أحيانًا الفن بيكون المكان الوحيد اللي الإنسان يقدر يحط فيه حاجة مش عارف يقولها.
الغضب اللي مش عارف أتكلم عنه… أكتبه.
الخوف اللي مش عارف أعترف بيه… أرسمه.
الحزن اللي مش قادر أشرحه… أغنيه.
المشاعر اللي مش عارف أسميها… أطلعها في لون أو حركة أو لحن.
وعشان كده بالنسبة لي، حتى لو حد شايف إن صوت أمير مش أحسن صوت في الدنيا، أنا شايفة إن ده مش هو المهم.
أمير بيمثل حالة أكتر ما بيمثل صوت.
هو بيعبر عن حاجة جواه… ويمكن حاجة جوا ناس كتير، بكلام بسيط وموسيقى طالعة من قلبه.
وعشان كده، بعد ما شوفت تجربة أمير، بدأت أفكر أكتر في الانفصال و قصته مع انفصال والده ووالدته.
أنا مش بقول إن كل انفصال غلط، ولا إن كل بيت لازم يكمل مهما كان الثمن.
أحيانًا الانفصال فعلًا ممكن يكون أرحم وأصح للطرفين.
لكن الطفل مش طرف في الخلاف.
والطفل غالبًا مش هيقدر يستغنى عن أبوه لمجرد إن أمه عوضته، ولا عن أمه لمجرد إن أبوه موجود.
ممكن يكبر ويفهم أسباب الانفصال.
ممكن يسامح.
ممكن يلوم.
ممكن يغير رأيه في أبوه وأمه ألف مرة.
لكن جواه هيفضل جزء محتاج الاتنين.
وأحيانًا الجزء ده بيفضل ساكت سنين… لحد ما يظهر في صورة غضب، تعلق، خوف من الفقد، صعوبة في التعبير عن المشاعر، أو حتى إحساس بالفراغ.
وده بالضبط اللي بيخليني مؤمنة بدور الفن في حياتنا.
الفن مش بديل عن العلاج النفسي، ومش كل فنان بيكون بيعالج نفسه بالفن بشكل واعي.
لكن الفن ممكن يكون مساحة آمنة جدًا للمشاعر.
وممكن يساعد الإنسان إنه يطلع حاجة كانت جواه قبل ما يعرف حتى يسميها.
وده جوهر مهم جدًا من اللي بنشتغل عليه في العلاج بالفن: إننا مش دايمًا بنطلب من الشخص «يتكلم» عن ألمه.
أحيانًا بنخليه يرسمه.
يشكله.
يلونه.
يمثله.
يكتبه.
أو يسمعه في موسيقى.
وبعدها نبدأ نفهم سوا: إيه اللي جوايا؟
لأن أحيانًا المشاعر لما تخرج من جوه الإنسان وتتحول لشيء قدامه، بيقدر يشوفها لأول مرة.
وعشان كده أنا بحب الفن جدًا.
مش بس لأنه جميل.
لكن لأنه أحيانًا بيكون اللغة اللي بتوصل للمكان اللي الكلام مش عارف يوصل له.
يمكن أمير مقدرش يقول كل اللي جواه بالكلام…
بس قدر يغنيه.
ويمكن ده كان واحد من الأسباب اللي خلت الموسيقى تنقذه من حاجات كتير كان ممكن تاخده لمكان تاني تمامًا.
وفي النهاية…
مش كل طفل من بيت منفصل هيكبر محطم، ومش كل مشكلة نفسية سببها انفصال الأبوين.
لكن الطفل اللي بيتحط في نص الصراع، أو اللي بيكبر وهو حاسس إنه خسر واحد من أهله، ممكن يشيل أثر ده معاه سنين طويلة.
فلو الانفصال هو الحل…
خلّوا الانفصال بينكم أنتم.
مش بين الطفل وأبوه.
مش بين الطفل وأمه.
ومتخلوش الطفل يدفع تمن علاقة هو أصلًا مكنش له ذنب فيها.
لأن ممكن جدًا الأب والأم ينفصلوا…
لكن الطفل مش لازم يخسر عيلته كلها.