24/07/2026
حين تتكلم اللوحات... وتبقى الأسماء صامتة
هناك لوحات فنية تُعرَف بأسماء أصحابها، وهناك لوحات أخرى تبدو وكأنها اختارت أن تنجو من الزمن بلا أسماء. لا توقيع واضح، ولا شهادة ملكية، ولا قصة مكتملة. فقط ألوان بقيت تقاوم النسيان.
في معرض "مجهولون" المقام في قاعة آتون للفنون بالمقطم، والذي انطلق في شهر مايو من هذا العام ويستمر حتى نهاية أغسطس، لا نعرض أعمالًا فنية فحسب، بل نعرض أسئلة. كل لوحة هي احتمال، وكل إطار يخفي وراءه حكاية لم يكتمل سردها.
ومن بين عشرات الأعمال، توقفت طويلًا أمام لوحتين. ليس لأنهما الأجمل بالضرورة، بل لأنهما كانتا الأكثر قدرة على الصمت. والصمت في الفن، أحيانًا، أبلغ من أي شرح.
الأولى هي بورتريه لامرأة شابة. ملامحها ليست حزينة بالمعنى المباشر، لكنها ليست مطمئنة أيضًا. العينان نصف مغمضتين، كأنهما ترفضان النظر إلى العالم أو ترفضان أن تمنحاه تفسيرًا. لا تحاول الشخصية أن تستميل المشاهد بابتسامة أو حركة استعراضية؛ بل تواجهه بثقل داخلي يصعب وصفه.
يعتمد الفنان على كتلة لونية داكنة تبتلع معظم تفاصيل الملابس، بينما يترك الوجه والعنق والوشاح الأحمر يتحدثون وحدهم. هذا الوشاح ليس مجرد لون يقطع رتابة البني والأسود، بل هو مركز الإيقاع البصري في اللوحة. نقطة الحياة الوحيدة وسط عالم يبدو وكأنه يغرق في الرماد.
تقنيًا، يمكن ملاحظة اقتصاد واضح في ضربات الفرشاة. لا توجد رغبة في استعراض المهارة الأكاديمية بقدر ما توجد رغبة في التقاط الحالة النفسية. الخلفية غير مكتملة عمدًا، وكأن الشخصية خرجت من الضباب للحظة ثم ستعود إليه بعد ثوانٍ. هذا النوع من المعالجة يذكرنا بالمدارس التعبيرية التي كانت ترى أن الحقيقة ليست في التفاصيل الدقيقة، وإنما في الإحساس الذي تتركه الصورة.
أما اللوحة الثانية، فهي تختلف في موضوعها، لكنها تحمل الروح ذاتها. كأن اللوحتين رُسمتا في زمن واحد، أو على الأقل بروح واحدة. لا أعرف إن كان الفنان قد قصد ذلك، أم أن الزمن هو الذي منح العملين هذه القرابة الغامضة. لكن عندما يقفان جنبًا إلى جنب، تشعر أنهما يتحاوران بصمت.
ثم تأتي المفاجأة.
عندما قلبنا إحدى اللوحتين، وجدنا على ظهرها علامة مفتاح الحياة المصرية القديمة (العنخ).
هنا تبدأ الحكاية.
لا أحد يعرف على وجه اليقين لماذا وُضعت هذه العلامة. ولا أحد يستطيع أن يجزم بمن رسمها أو متى أضيفت. لكن هناك رواية يتداولها بعض المهتمين بالفن تقول إن الفنان نور اليوسف، أحد تلامذة الفنان الكبير سيف وانلي، كان يضع أحيانًا رمز مفتاح الحياة على ظهر بعض لوحاته أو في خلفياتها، باعتباره توقيعًا رمزيًا أكثر منه توقيعًا مباشرًا.
هل هذه اللوحة من أعماله؟
لا نملك دليلًا قاطعًا.
وهل الرمز وحده يكفي لإثبات النسبة؟
بكل تأكيد لا.
لكن الفن الجميل لا يعيش فقط على الحقائق، بل يعيش أيضًا على الاحتمالات. وما بين اليقين والخيال تولد القصص التي تجعلنا نتوقف أمام لوحة لدقائق، بدل أن نعبرها في ثوانٍ.
وربما هذا هو أكثر ما يعجبني في هاتين اللوحتين.
أنهما لا تطلبان منك أن تصدقهما، بل تدعوانك إلى المشاركة في البحث عنهما.
من كان يقف أمام هذه المرأة عندما رُسمت؟ وهل كانت تعرف أنها ستظل بعد عقود تنظر إلى وجوه غرباء في معرض يحمل اسم "مجهولون"؟
ومن الذي حمل اللوحتين من مرسم إلى بيت، ثم إلى مخزن، ثم إلى مجموعة خاصة، حتى وصلتا أخيرًا إلى قاعة آتون؟
كم جدارًا شهد وجودهما؟
وكم عينًا تأملتهما ثم اختفت من العالم بينما بقيتا هما؟
هذه الأسئلة ليست أقل قيمة من معرفة اسم الفنان نفسه. لأن العمل الفني الحقيقي ينجح عندما يخلق حوارًا مع الزمن، لا عندما يكتفي بتعليق بطاقة تعريف بجواره.
وربما لهذا السبب اخترنا اسم "مجهولون". ليس احتفاءً بالنسيان، بل احترامًا لكل الفنانين الذين أنتجوا أعمالًا صادقة، ثم ابتلعتهم الظروف، أو تبددت أسماؤهم، أو ضاعت أرشيفاتهم، بينما بقيت أعمالهم شاهدة على موهبتهم.
كل لوحة هنا تحمل احتمالًا لاكتشاف جديد.
وربما يأتي يوم نجد وثيقة، أو صورة قديمة، أو توقيعًا مخفيًا، أو شهادة من أحد أفراد عائلة فنان، فتتغير القصة كلها. وربما لا يحدث ذلك أبدًا.
لكن حتى إن بقي الاسم مجهولًا، فإن القيمة الجمالية لا تصبح مجهولة.
فاللوحة لا تستمد أهميتها من شهرة صاحبها فقط، بل من قدرتها على أن تمس شيئًا في داخل من ينظر إليها. وهذا ما تفعله هاتان اللوحتان ببراعة.
إنهما تفرضان على المشاهد أن يبطئ خطواته. أن ينظر مرة ثانية. أن يسأل نفسه لماذا يشعر بأن هذه الشخصية تعرفه، أو لماذا تبدو الخلفية مألوفة رغم أنها مجرد مساحات لونية بسيطة.
هذه هي قوة الفن الحقيقي.
أن يمنحك أسئلة أكثر مما يمنحك إجابات.
أما كيف وصلت هاتان اللوحتان إلى قاعة آتون للفنون، فربما يكون ذلك هو الجزء الوحيد من الحكاية الذي سنتركه مفتوحًا. فبعض القصص تصبح أجمل عندما لا تُروى كاملة.
وإذا كنت من محبي الفن، أو من هواة اقتناء الأعمال التي تحمل تاريخًا قبل أن تحمل توقيعًا، فقد تجد في إحدى هاتين اللوحتين ما تبحث عنه. ليس فقط لأنها عمل فني جميل، بل لأنها قطعة من حكاية ما زالت تُكتب، وربما يكون مقتنيها القادم جزءًا من فصلها الجديد.
ندعوكم لزيارة معرض "مجهولون" في قاعة آتون للفنون بالمقطم قبل نهاية أغسطس، ليس فقط لمشاهدة اللوحات، بل للاستماع إلى ما تحاول أن تقوله.
فربما تخرجون وأنتم تحملون معكم أكثر من صورة...
وربما تكتشفون أن أجمل الأعمال الفنية ليست تلك التي نعرف عنها كل شيء، بل تلك التي ما زالت تحتفظ بسرٍ صغير، يجعلنا نعود إليها مرة بعد أخرى.
#فن