09/10/2016
العلماء الطليان أليساندرو فولتا ولويچي جالفاني وعبرة مهمة جدًا من التاريخ.
في القرن ال17 وال18 كانت الكهرباء لسة ظاهرة جديدة ومش معروف الكثير عن ماهيتها وكنهها وعاملة إنبهار كبير في أوروبا. في نفس هذا الوقت كان فيه أتنين باحثين في إيطاليا، واحد أسمه "أليساندرو فولتا" هو مخترع البطارية المعروف والمسمى على أسمه وحدة الvolt الكهربائية، ولويجي جالفاني هو الدكتور اللي عمل التجارب الشهيرة على الضفادع الميتة بتوصيل سلكين خارجيين مشحونين كهربائيا لجسم الضفدع، الضفدع أرجله بتفط وتتحرك من مكانها وتتراقص كما لو كان حيًا (مع إنه ميت تمامًا.)
فولتا وجالفاني كانوا جايين من مناطق مختلفة تمامًا من إيطاليا، فولتا كان جاي من الشمال، وجالفاني من الجنوب، الجنوب في وقتها كان بيتميز بالفكر الإيطالي المسيحي المحافظ المعروف عن إيطاليا، بينما شمال إيطاليا كان تحت إحتلال النمسا وكان متأثر جدًا جدًا بعصر التنوير وأفكاره الموجودة في تلك القطعة من أوروبا وقتها، التنوير معناه إنك مؤمن بأن الظواهر كلها لها تفسير مادي بدون إدراج الروحانيات والميتافيزيقيات للموضوع، في الحقيقة فولتا كان متأثر بالتنوير وبيحب الفكر النمسوي لدرجة إنه أستقال من منصبه في حكومة إيطاليا بعد جلاء النمسويين عن إيطاليا.
المهم ان هذا التباين في الخلفيات الفكرية أنعكس في أعمال العالمين وتفسيرهم أو الapproach بتاعهم لظاهرة الكهرباء. جالفاني بعد ما عمل تجاربه على الضفادع، فسر الموضوع فسير ديني، وقال إن الكهرباء الحيوانية مختلفة تمامًا عن الكهرباء العادية أو أنواع الكهرباء الأخرى وهي شيء أختص به الخالق الحيوانات وأن حركة أرجل الضفدع تأتي من داخل جسم الضفدع وسببها هذا "النوع الخاص جدًا" من الكهرباء اللي هو سماه "الكهرباء الحيوانية.." طبعًا Volta كالمتوقع رأى إن كلام جالفاني كلام خرافي ومتخلف وبيتهرب من البحث عن السبب المادي وراء الظاهرة وإن في الحقيقة لا يوجد أي فرق بين أي كهرباء عادية والكهرباء في جسم الحيوانات وأن حركة جسم الصفدع في الحقيقة لا تأتي من الضفدع وإنما من السلكين نفسهم وجسم الضفدع هو مجرد مؤشر. جالفاني في إعتراضه على فولتا، عمل مزيد من التجارب وكتب كتاب ضخم ومتخم أسمه "عن كهرباء الحيوانات" ظن فيه إنه حسم الجدل وأثبت إن فولتا جاهل بما يجادل فيه
فولتا تجاهله وأصر إنه يعمل تجربة يثبت بيها إن كلام جالفاني محض خرافات وان الظاهرة لها تفسير مادي بحت والكهرباء في جسم الحيوانات تأتي من المعادن ولا علاقة لها بالروح أو بكون الكائن حي، عمل تجربة جديدة يقدر يعمل بيها نفس نتائج جالفاني تمامًا ولكن بدون وجود أي حيوانات أو كائنات حية خالص في الموضوع، ولذلك عمل ركامة pile عبارة عن طبقات متناوبة من المعادن، يعني يضع طبقة من النحاس فوقها طبقة من الزنك ودي بدورها فوقها طبقة من النحاس وبعدها الزنك، وهكذا ويتخللهم قطع من القماش منقوعة في محلول حمضي، وهنا هذه الركامة المعدنية (عرفت بعدها بأسمها Voltaic pile نسبة له - في الصورة -) هتقوم بدور الحيوان ولكنها ليست كائن حي لتثب أن الحيوانات ليس فيها أي شيء خاص وأنك يمكن أن تعمل نفس التأثيرات لو فهمت السبب.
وبالفعل وصل Volta سلكين لهذه الركامة وبعدها وضعها على لسانه، وجد أنها بتخرج كهرباء مثل الكائن الحي تمامًا ولكن هذه المرة أقوى والتيار مستمر، وبالتالي أثبت نظريته بأن الكهرباء شيء مادي وواحد في كل شيء ومفيش شيء مميز بداخل الحيوان. إختراع Volta حاليًا هو ما نعرفه بأسم البطارية. يعني البطارية إللي بتشغل حاليًا كل أجهزتنا وجزء جوهري لا نستطيع تخيل العالم من غيره تمامًا، نتجت من جدال بين علماء على هل الظاهرة لها تفسير مادي أم شيء روحاني.
الشاهد من القصة أن الروحانيات هي مجرد مسائل إيمانية لا يمكن أن تجعلها مقياس أو مازورة تقيس أو تفسر بيها أي ظاهرة أو شيء مادي ولا مكان لها داخل المعامل ولا يمكن أن تستخدم كحجة على نظرية علمية أو أساس تبني عليه رأيك في نظرية علمية مادية، لأن لو كان Volta لم يعترض وصدق فعلًا التفسير الروحاني السحري لجالفاني، كان ممكن يفضل عندنا فهم خاطئ تمامًا للكهرباء وطريقة عملها، وكمان مكانش هيكون عندنا البطارية وتخزين الطاقة وإخراجها حسب الحاجة إللي هي أكبر عمود في بناية الحضارة الحديثة كلها!