30/07/2022
سينما الشعب..
3- التنظيم الاجتماعي، الديناميكية.
بالعودة إلى الاتحاد السوفيتي، والذي أشرنا آنفا لكيفية صعود سينماه و الصراع بين أعضاء رابطة السينما الثورية بعد الثورة البلشفية وخاصة بين تياري فيرتوف و ايزنشتاين ..
فلنعد للوراء قليلا لننظر عن كثب بنظرة أكثر استبصارا لتحول سينما بروليتارية -مع الوقت- إلى سينما دعائية بحتة، لم يكن الأمر مجرد سياسات شمولية في ظل شعبية الإشتراكية بل ربما ذهب لأبعد من ذلك، يمكننا القول أن مخرجي الرابطة الثورية -باستثناء فيرتوف- تحولوا بتحول سينماهم ليصبحوا أبعد ما يكون عن كونهم " مثقفون عضويون في الأساس " و امتثلوا لطبيعة كونهم تقليدين في طبقاتهم الإجتماعية الجديدة حتى لو استخدموا أساليب أكثر ثورية علي مستوى أفلامهم، أو يمكننا القول النزوع للتنظيم الاجتماعي الجديد؛ وذلك تبعا لتداعيات الأحداث المتلاحقة بداية من فبراير 1917 والتي تمثلت في الآتي ..
انهيار الحكومة القيصرية و التي حلت محلها الحكومة المؤقتة، والتي تم فيها تقاسم السلطة بين مختلف الفصائل السياسية، من خلال المجلس التشريعي الذي يهيمن عليه البرجوازيون، ومجلس الدوما، ومجالس العمال والجنود.. ظهر كيرنسكي كأحد قادة الدوما الذين دعموا ثورة فبراير، و أصبح الرئيس الفعال، سعت الحكومة المؤقتة لتحقيق التوازن بين مصالح الفصائل المتنافسة في المجتمع الروسي حتى يمكن إجراء انتخابات للجمعية التأسيسية. في غضون ذلك، استمرت في احترام التزام روسيا بالحرب تجاه قوى الحلفاء، التي اعتبرها العديد من العمال والجنود بمثابة خيانة لثورة فبراير، والتي كان سببها إلى حد كبير غضب النساء الجائعات في بتروغراد .. استغل البلاشفة هذا التخبط - بما أنهم الأكثر عضوية من بين العديد من الاحزاب الاشتراكية - رافعين شعار "السلام والأرض والخبز" ، وبحلول خريف عام 1917 ، حصلوا على الأغلبية في بتروغراد و طالب البلاشفة بإنهاء السلطة المزدوجة، المجسدة في شعار "كل القوة للسوفييت" ، ونظموا عمال بتروغراد للاستيلاء على السلطة من الحكومة المؤقتة في ثورة أكتوبر من نفس العام.
أعلن البلاشفة أن السوفييت هم الجهاز الوحيد السلطة، وبالتالي بدأ الاتحاد السوفياتي .
ربما يغفل الكثيرين تأثير المرحلة السابقة علي صناعة السينما فيما بعد ولكنها مرحلة مهمة للغاية في إعادة تشكيل النظام الاجتماعي لمخرجي الرابطة أنفسهم و ما لحقها من تداعيات أخرى مهمة تخبرنا ببرجماتية اشتراكية تنازلت عن أحلام وردية ربما تصل للكومنترن -قبل الوصول للحكم- إلى حقيقة الحرب الأهلية بين الجيش الأبيض المناهض للشيوعية والجيش الأحمر للبلاشفة وحلفائهم، مثل المناشفة والثوريين الاشتراكيين، الذين تم استيعابهم أو تطهير أعضائهم في وقت لاحق بعد سنوات من القتال، والاضطرابات الاجتماعية والاقتصادية، والمجاعة، والتكتيكات الوحشية لسحق الثورة المضادة، والتجنيد، وتأميم الصناعات، ومصادرة المحاصيل، وملايين القتلى..
حقق البلاشفة انتصارًا مدمرًا ومكلفًا و مؤثرا على مستقبل الشيوعية السوفيتية وكل ما حاربهم. ليضع لينين السياسة الاقتصادية الجديدة (NEP)، والتي تمثل "تراجعًا استراتيجيًا" عن العديد من السياسات الشيوعية في الحرب الأهلية وإعادة جزئية مؤقتة لاقتصاد السوق الحر . ربما أنقذت ال ( NEP ) الاتحاد السوفيتي من كارثة اقتصادية وسمحت للبلاشفة ترسيخ سيطرتهم بعد ذلك ولكن أيضا أظهرت غائيتهم.
لتبدأ بعد ذلك آلتهم الدعائية في العمل بقوة لسحق أعداء الاشتراكية بإثارة العمال و كسب قلوب الروس..
لا يمكن أن يماهي أحد في أن السينما في عهد لينين كانت دعائية ولكنها كانت إلي حد كبير أكثر التصاقا من الشعب عن عصر ستالين..
على الرغم من النظرة الاختزالية للعديد من المراقبين علي أن ما تم هو اجتراج صراع فكري -قد يكون في ظاهره غير نفعي- بين أعضاء رابطة السينما الثورية إلا أنه انتج سينما أكثر ديناميكية و أكثر قدرة علي استخدامها كأدة للتنظير السياسي باختلاف طبائعها و فهومها بين كافة طبقات الشعب.
في عام 1924 يقدم "ديزجا فيرتوف" فيلمه Kino Eye و الذي يظهر الحياة السعيدة تحت قيادة لينين حيث يصور أنشطة الشباب في قرية سوفيتية ولصق الدعايا علي الجدران ومساعدة الفقراء..
بعد انتصار البلاشفة الباهظ في الحرب الأهلية المدمرة، كان عليهم أن يتعاملوا مع حقيقة أن البلاد واجهت مشاكل اجتماعية واقتصادية حادة وأن المجتمع الروسي كان متشظى، وكان البلاشفة بحاجة لإظهار قوة الناس الذين يعملون معًا بدلاً من العمل الفردي.
يتضح تصوير العمل الجماعي - وهو حجر الزاوية في الأيديولوجية الشيوعية - في العديد من أفلام الدعاية في عشرينيات القرن العشرين. يبدأ إيزنشتاين فيلمه سترايك باقتباس من لينين: "قوة الطبقة العاملة هي التنظيم. بدون تنظيم الجماهير ، البروليتارية ليست شيئا. التنظيم هو كل شيء. يعني التنظيم وحدة العمل ، ووحدة النشاط العملي. "
- يُظهر الفيلم إضرابًا عماليًا في روسيا ما قبل الثورة والقمع العنيف للإضراب من قبل الرأسماليين، والذي يتضح من خلال مونتاج أيزنشتاين للعمال المقتولين والأبقار المذبوحة .
خلال الفيلم ، يتم عرض العمال وهم يعملون معًا في مجموعات، وليس كأفراد - لدرجة يصعب على الأفراد تمييزها ولا يحصلون على أي خصائص فريدة تقريبًا. خدم سترايك عدة أغراض في ذلك الوقت.
أولاً ، دعا العمال في جميع أنحاء العالم إلى الاتحاد للتخلص من المضطهدين -على الرغم من أن الثورة الروسية قد حدثت بالفعل- كان لا يزال يتعين على الاتحاد السوفياتي تعزيز الوحدة بين البروليتاريا.
ثانياً، روجت لـ "ثورة مستمرة" ، أي توسيع الأخوة البروليتارية الدولية، بدلاً من "الاشتراكية في بلد واحد".
في المدرعة بوتمكين ابتكر إيزنشتاين نسخته المسرحية من التمرد الذي حدث على سفينة حربية روسية بوتمكين خلال ثورة 1905 لينجز شيئان مهمان من خلال التيكنيك الثوري الذي تحدثنا عنه في السابق " المونتاج " يربح ولاء المشاهد للبحارة ويؤسس لميثية الزعماء القيصريين كقوة غاشمة يجب القضاء عليها.
يعرض آيزنشتاين تقنيات المونتاج الخاصة به مرة أخرى خلال مشهد "الدراما على سطح السفينة" عندما يقطع بسرعة من أوامر القائد لقتل البحارة ، إلى وجوه البحارة المنهكين، ثم إلى لقطات الحركة في الفوضى .
و بأسلوب التحرير السريع بين الصور ، يؤسس آيزنشتاين شعوراً بالهلع والاضطراب التعبريين لتوصيل موضوعاته على كل من المستوى الفكري والروحاني. يلاحظ لويس جيانيتي في تحرير أيزنشتاين أن "أيزنشتاين يعتقد أن جوهر الوجود هو تغيير مستمر. كان يعتقد أن التقلبات الأبدية للطبيعة هي جدلية - نتيجة الصراع وتوليف الأضداد.
المشهد الأكثر فاعلية وشهرة في Battleship Potemkin هو أوديسا السلالم ، حيث يسير الجنود في عرض غير إنساني شبه آلي للقمع، ويذبحون الأبرياء وينفذون مجزرة دموية.
وفي أقوى استخدام للمونتاج كأداة تمييزية بين الجنود الشبيهين بالآلة والمجهولي الهوية والموجهين ضد الشعب الروسي الذي لا حول له ولا قوة، مثل الأم التي تحمل الطفل وهو يصعد الدرج نحو الجنود في نداء يائس طلبا للرحمة. أتقن آيزنشتاين تحرير الفيلم بحيث شعر المشاهد بشعور من الذعر والخوف أثناء تغذيته بمثل هذه الصور الهائلة. و أصبحت سفينة حربية بوتيمكين الفيلم الذي يمثل روح الثورة - ليس فقط في روسيا في عام 1905 أو في عام 1917 ، لكن ثورة البروليتاريا ضد البرجوازية الدولية في جميع العصور .
بالنسبة للروس، كانت دعوة لاحتضان الشيوعية بل و تصديرها لرفقاء النضال في جميع انحاء العالم.
ففي فيلم The End of St. Petersburg (1927) لمخرجيه Mikhail Doller و Vsevolod Pudovkin
و فيلم Ten Days the Shook the World (1928) لمخرجيه إيزنشتاين وجريجوري ألكساندروف
تم تذكير الجماهير بمعاناة الشعب الروسي قبل ثورة أكتوبر والحاجة إلى القيادة البلشفية الجريئة، ووضع أيزنشتاين وألكساندروف البلاشفة في أعلى درجات الاحترام، حيث أظهر لهم الثوريين تفويض الإطاحة بالحكومة المؤقتة وجاءت المشاهد في شهر أكتوبر - خاصة المشاهد التي تشمل الحشود - واقعية للغاية لدرجة أنها تبدو شبه وثائقيّة، حيث تشوش الخط الفاصل بين التاريخ والدعاية.
كلما تقدمنا شيئا فشيئا في عصر ستالين تصبغ السينما ايدلوجيا تماما بالستالينية وتتحول لسينما دعائية بحتة.
شهدت السنوات من 1927 إلى 1938 استخدام ستالين لسلطة شبه مطلقة على الاتحاد السوفيتي. للحفاظ على السيطرة وسحق المعارضة - سواء كانت حقيقية أو متخيلة - تم إعدام ملايين المواطنين أو إرسالهم إلى جولاج حيث مات كثيرون، وأي جماعة داخل الحزب الشيوعي تبدو وكأنها قد تشكل فصيلًا تم تطهيرها. الخوف من الهجوم من الغرب، والثورات المأمولة في ألمانيا ودول غربية أخرى فشلت. وبالتالي ، حوّل ستالين الخطاب والسياسة من الهدف الماركسي التقليدي للثورة " البروليتارية الدولية " إلى "الاشتراكية في بلد واحد" ، والتي كانت تشبه إلى حد بعيد القومية، وهو مفهوم غير ماركسي للغاية الي حد كبير.
في جميع أنحاء العالم كان الحديث عن الشعب الروسي - وعن زعيمهم البطولي.
تم تأليه وصناعة وهم أسطورة ستالين، و تعرضت الدعاية أحيانا للقادة العظماء من الماضي الروسي، مثل ألكساندر نيفسكي وإيفان الرهيب. إذ كانت تدابير ستالين منسوجة بالحديد و النار، و ذلك لأن روسيا الأم كانت مهددة من قبل الغزو والجواسيس والأعداء الطبقيين الآخرين.
لقد أدرك ستالين أن الاتحاد السوفيتي اصبح معزولًا بسياسة خاصة ، وأنه لكي يتم تحقيق النموذج الشيوعي، فإن على الشعب الروسي أن يفعل ذلك بنفسه حيث فشلت موجة الثورات البروليتارية الأوروبية التي كانوا يأملون في حدوثها.
أصبح اهتمام ستالين بالسينما بالغ وتم تصويره علي انه قادر علي أي شيء حتى أنه اقتنع بانه مؤلف و مخرج و ناقد فكان يجتمع بالمخرجين و الممثلين و يمرر أفلام و يمنع اخرى ..
لم يكتفى باظهاره كبطل قومي بل سحق معارضيه وهمش أدوارهم، أظهر تورتوسكي في أدوار هامشية أو ربما معارضا لأهداف الثورة مع أنه كان أبرز قادتها وذلك قبل أن يتم قتله، وأظهر نفسه دائما أحد اهم قادة ثورة أكتوبر وكان دائما بجوار لينين مع أنه لم يكن كذلك .. حرص ستالين أيضا علي الظهور كشخص محب للأطفال، دائما يظهرون معه يقدمون الورود ويقبلهم ..
كما تم اظهاره كرياضي قوي البنية طويل القامة حسن المظهر علي عكس الحقيقة تماما فكان في الواقع قصير القامة يمتلك بطنا كبيرة ووجه به بعض آثار التشوه من مرض جلدي قديم.
وفي فيلم سقوط برلين عام 1950
ترصد المشاهد اللحظات الأخيرة لسقوط المانيا النازية، وانتحار هتلر ثم تظهر طائرة تهبط في برلين يجري نحوها جميع الجنود بما فيهم جنود الحلفاء ليظهر منها البطل " جوزيف ستالين " الذي اتى لاعلان نصره .
أعجب ستالين جدا بهذا المشهد عندما شاهد الفيلم وبكى وربت على كتف مخرج الفيلم فى نهاية العرض، وقال له: "أحسنت أيها الشاب ليتنى فعلت هذا وذهبت إلى برلين عندما انتصرنا"،
والحقيقة أن ستالين لم يذهب إلى برلين مطلقا عقب الحرب، و لكن هذا الحادث ظل حقيقة وصدقه الشعب السوفيتي لسنوات.
يتبع .....،
Written by : Osama Elsharkawy