03/09/2026
💢 حين كان القرب أجمل من اللقاء 💢.
ألم يكن يكفي...
أن تبقي أنتِ المرأةَ التي أضحك معها، دون أن أرتدي أمام عينيكِ ثوب الحكمة الزائفة، ولا قناع الكبرياء...
ألم يكن يكفي...
أن أترك تعبي قليلاً يستريح على دفءِ صوتكِ، وأن أحكي لكِ عن أحلامي القديمة، دون أن أخشى أن تبحثي بين كلماتي عن سرٍّ مؤجلٍ، أو اعترافٍ خائفٍ خبأته طويلاً في زوايا العناء...
ألم يكن يكفي...
أن نبقى قريبين، بالقدر الذي تمنحه الروح لمن تأمن إليه، وبعيدين بالقدر الذي لا يوقظ ذلك الخوف القديم من الفقد والانتظار والرجاء...
هل تعلمين...
أنكِ كنتِ تأتين إلى أيامي، كنافذةٍ تُفتحُ في جدار العتمة، فيدخل منها صباحٌ هادئ، لا يسألني عن الأمس، ولا يطالبني بالغد، ولا يفتّش في ملامحي عن بقايا التعب والشقاء...
هل تعلمين...
أني لم أكن أريد منكِ وعداً كبيراً، ولا حلماً مستحيلاً...
كان يكفيني فقط... دفء حضوركِ، ويدٌ تربّت على القلب، وصوتٌ يقول لي دون كلام: لستَ وحدك في هذا المساء...
هل تذكرين...
حين كنا نضحك من أشياءَ صغيرةٍ، لا يلتفت إليها أحد، لكنها كانت تكفي لترميم ما تَهدَّم في أرواحنا، وتمنح القلب لحظةً عابرة من الفرح والبهاء...
قد كنتِ صديقتي...
وكانت صداقتكِ وطناً صغيراً، أدخل إليه كما أنا، بضعفي وانكساري، وبكل ما أخفيه عن العالم من وحدة وانزواء...
كنتِ المرأة التي لا أخاف معها أن أسقُطَ من عيني نفسي، ولا أخجلُ من صمتي، ولا أعتذر عن جراحٍ قديمةٍ لم تجد بعدُ طريقَها إلى الشفاء...
ثم حدث ما لا أعرف كيف حدث...
لم ينكسر شيءّ أمام أعيننا، لكن شيئاً خفيّاً في الداخل بدأ يبتعد ببطء...كأنّنا أدركنا النهاية بلا انتهاء...
كأن الطريق الذي جمع خطانا اختار دربًا مغايراً، نحو غيابٍ لا نعرف بدايته، ونأيٍ لم نطلبه، وجفاءٍ تسلّل إلينا دون أن نشعر...فصرنا نلتقي ولا نلتقي في ٱن سواء...!
كبُرَتْ المسافة بين أعيننا، وصار القرب سؤالاً مؤجلاً، والصمت باباً مغلقاً، نقف خلفه طويلًا...! نرى بعضنا من بعيد، ولا نعرف كيف نمدّ اليد نحو دفءِ اللقاء...
كنتِ تقتربين من قلبي خطوةً، وكنتُ أتراجع خطوتين...
لا لأنني لم أردكِ، ولا لأن الطريق إليكِ كان بعيداً، بل لأنني خِفتُ أن يحملنا الوصول إلى مكانٍ لا يشبه البداية، وأن يصبح الحلم الذي رعانا سبباً في الانطفاء...
خشيتُ أن نلامس الضوء يوماً، فنكتشف أن الدفء الذي أحببناه كان أجمل حين كان بعيداً، وأن بعض الأشياء تفقد عطرها حين نحاول أن نجعلها لنا، بعد أن كانت أجمل في فضاء الرجاء...
كان في داخلي طفلٌ خائفٌ، يمد يده نحو الفرح، ثم يسحبها سريعاً، كأنه يخشى أن يلمس النور، فيحترق من فرط الضياء...
كنتُ، كلما أردت أن أقول لكِ: "ابقي..."
خرج من شفتي صوتٌ آخر: "كما تشائين..."
وكأنّ الكبرياء كان أكثر جرأةً مني،، يمسك بيدي حين أعجز عن البوح، ويغلق باب النداء...
أما الآن...
فكم من كلامٍ يسكن بيننا، وكم من حروفٍ تقف عند الباب، تنتظر يداً تفتح لها الطريق، ثم تعود خائفةً إلى صمتها خلف المساء...
كأنّ بيننا مدناً من الصمت، مع أننا لا تفصلنا سوى كلمة...
وكأنّ الوصولَ إلى صوتكِ صار يحتاج عبورَ بحرٍ طويل من التردد والخواء...
يا أنتِ...
لم يكن ذنباً أن القلب اختاركِ، فالقلب لا يستأذن حين يميل، ولا يكتب طلباً قبل أن تسكنه ملامح من وجد فيها طمأنينةً ودفئاً وهناء...
ربما كان خطؤنا الوحيد...
أننا أردنا للحكاية أن تمضي كما تشتهي الأحلام، ولم ندرك أن بعض الحكايات يحميها النقص من النهاية، فتبقى معلّقة بين نبض القلب وحنين المساء...كأن اكتمالها كان سيأخذ منها سرّ البقاء...
فليس كل ما لا يكتمل يولد ناقصاً، فبعض الأشياء يحفظها البعد من أيدينا، لتبقى كما عرفناها أول مرة... نقيةً في الذاكرة، بعيدةً عن تعب الامتلاك، وعن خوف الفناء...
وبعض الأشخاص لا يدخلون حياتنا ليصبحوا أياماً نعيشها...
بل ليتركوا في الروح نافذةً صغيرة، يدخل منها الضوء حين يطول الشتاء...
لو عاد بنا الزمن...أيا صديقتي،
لن أطلب منكِ أن تعودي، ولن أطلب من قلبي أن يتعلّم النسيان...
سأطلب فقط أن تعودي إلى مكانكِ الأول، إلى تلك المسافة الجميلة التي كنتِ فيها قريبةً دون خوفٍ من الغياب...
حيث كنتُ أفرح بوجودكِ دون أن يرتجف في داخلي خوف الفقد والابتعاد والاختفاء...
فعودي إلى حيث كنتِ...
بضحكتك الهادئة، ووجهك الذي لا يحتاج تفسيرًا، وقلبك الذي لم يكن يومًا شيئاً يُمتَلَك، ولا سرّاً يُخفَى خلف ستائر الخفاء...
وابقَي هناك...
في المكان الذي لا تصل إليه أسئلة الأيام الثقيلة، حيث كان صوتكِ راحةً، وحضوركِ وطناً، وحيث كان قربك أنجع دواء...
وسأبقى هنا...
أحفظ بيننا الطريق القديم،، ذلك الطريق الذي كانت تفوح منه رائحة الصداقة الأولى، قبل أن يمرّ عليه الحب بأسئلته الطويلة، وتعب الانتظار، وثقل العناء...
وتيقني...
أنك ستبقين تلك المرأة التي أحببت قربها، في المكان الذي لم تفسده النهاية... حيث كان صوتكِ مألوفاً، وحضوركِ راحةً، وحيث كان القرب أجمل من اللقاء...
فبعض الوجوه لا تبقى في حياتنا، لكنها تبقى فينا...
كأنها دعاءٌ قديم، لا يُقال بصوتٍ عالٍ، لكنه يبقى في أعماق الروح همس بقاء...
🤲💢🪻علي مركوزة 🪻💢🤲