أسـود وأبيـض

أسـود وأبيـض تهتم بالفكر الراقي

**حين تؤجَّل الحكايات**ليس كل ما يعرف يقال او يكتب ، وليست كلُّ الأحداث تُكتب حين تقع، بعضها يولد قبل أوانه لو نطق، فيُظ...
03/02/2026

**حين تؤجَّل الحكايات**
ليس كل ما يعرف يقال او يكتب ، وليست كلُّ الأحداث تُكتب حين تقع، بعضها يولد قبل أوانه لو نطق، فيُظلِم الحقيقة بدل أن يكشفها. نؤجِّل الحكاية لا لأننا نسيناها،
بل لأن الذاكرة أصدق حين تصمت، تجمع التفاصيل بهدوء،
وتترك للزمن أن يزيل الغبار عن الوجوه، ويعلّمنا الفرق بين الجرح… والدرس. هناك وقائع لو كُتبت في لحظتها لخرجت باكية، متحيّزة، ناقصة المعنى، فالوجع حين يكون طريًّا لا يحسن السرد،
والغضب لا يعرف العدل.
نحتفظ ببعض الأحداث في أعماقنا كأمانة لا كحِقد، نحملها لا لتثقلنا، بل لنفهمها حين تهدأ الأصوات وتسقط الأقنعة وحدها.
وحين يأتي وقتها، نكتب لا لننتقم، بل لنشهد، لا لنفضح، بل لنُنصف الذاكرة من النسيان، والحقيقة من التشويه.
فليس كل صمتٍ خوفًا، بعض الصمت حكمة، وبعض الانتظار كتابةٌ لم تنضج بعد.

التجارب التربوية ليست دروسًا تُلقَّن داخل الأقسام، فبعضها يُكتب خارج السبورة، ويُحفر في الذاكرة بمواقف صامتة أو كلمات قي...
01/02/2026

التجارب التربوية ليست دروسًا تُلقَّن داخل الأقسام، فبعضها يُكتب خارج السبورة، ويُحفر في الذاكرة بمواقف صامتة أو كلمات قيلت في الوقت الصعب. في مسار المعلّم، تأتي لحظات يُختبر فيها الانتماء للمهنة، لا بالتحضير والشرح فقط، بل بالقدرة على الدفاع عن التخصص، وعن الكرامة المهنية، وعن معنى العدالة داخل المؤسسة التربوية. هذه شهادة من مرحلة مبكرة في مساري، مرحلة علّمتني أن الصمت ليس دائمًا حكمة، وأن الكلمة الصادقة قد تغيّر مسارًا كاملًا
**تحولت إلى وجهة ثانية**
حين تحوّلتُ من ثانوية بوقطب إلى ثانوية الحسن بن الهيثم، كنت أحمل حماسة البدايات وقلق الغريب الذي يدخل مؤسسة جديدة، لا يعرف وجوهها ولا طبائعها.
في أول اجتماع تربوي، وقبل أن تطأ أقدام التلاميذ الأقسام، وُزّعت علينا الجداول الزمنية. تأملتُ الجدول الذي أُسند إليّ، فوجدت نفسي أدرّس التربية الإسلامية بتسعة أقسام، واللغة العربية لقسم للسنة الثالثة علوم، قارنت جدولي الزمنية بما وزع على بقية أساتذة اللغة العربية الآخرين، اجحاف كبير بحقي.
تردّدت.
ليس لأنني غير قادر، بل لأن شيئًا في داخلي كان يقول: هذا ليس توزيعًا عادلًا. تردّدت لأنني الجديد في المؤسسة، ولأن أساتذة اللغة العربية من حولي أكبر مني سنًا وخبرة،وفيهم من درسني(المرحوم الأستاذ حجازي الفلسطيني)، وقلت في نفسي: لعل الصمت أسلم.
لكن الصمت أحيانًا خيانة للذات.
تشجعت، وتقدّمت إلى الناظر، وقلت بهدوء لا يخلو من حزم:
«أنا هنا لست أستاذًا لسدّ العجز أو لملء الفراغات. أنا أستاذ لغة عربية وآدابها، ولستُ في كتاب يُدرَّس عشر وحدات بلا اعتبار للتخصص.»
رمقني بنظرة امتزج فيها العجب بشيء من الازدراء، وقال:
«لم أكن أعرفك.»
ابتسمت وقلت بثقة:
«ها أنت قد عرفتني الآن. وأنا لا أعمل بهذا التوزيع.»
ساد صمت قصير، ثم قال:
«سنغيّره.»
وفعل.
تم تعديل الجدول، وخُفِّفت الوحدات، لكن معظم الأقسام التي أُسندت إليّ كانت مما يُعرف آنذاك بـ**«الأقسام القرية»**؛ أقسام تفتقر إلى التدفئة، وإلى الحد الأدنى من شروط الراحة. هناك، لم يكن الاحتجاج هذه المرة إداريًا، بل إنسانيًا، فوجدت نفسي أحتجّ مع التلاميذ على برودة الأقسام، لأن الكرامة التربوية لا تتجزأ.
كانت سنة واحدة فقط، لكنها كانت سنة مثقلة بالتمييز والصبر والمواجهة الصامتة.
بعدها، تحوّلت إلى ثانوية هواري بومدين، حيث قضيت عشر سنوات كاملة من العمل والعطاء والود وتحقيق افضل النتائج، قبل أن أنتقل إلى سلك التفتيش، محمّلًا بتجربة علّمتني أن العدل لا يُمنح دائمًا، بل يُنتزع بالكلمة الصادقة والموقف الواضح.
ليست العدالة في المدرسة قرارًا إداريًا فحسب، بل ثقافة شجاعة.
ومن لا يدافع عن مكانه المهني بوعي واحترام، قد يُدفع إلى هامش لا يشبهه.
لقد تعلّمت أن المعلّم حين يعرف قيمته، يُجبر الآخرين على احترامها، لابالصوت العالي، بل بالكلمة الواضحة والموقف الثابت.

رسالة شكر ووفاء بمناسبة اختتام الدورة التكوينيةالسادة الأساتذة المتكوّنون الأفاضل،السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،مع اخت...
01/02/2026

رسالة شكر ووفاء بمناسبة اختتام الدورة التكوينية
السادة الأساتذة المتكوّنون الأفاضل،
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
مع اختتام هذه الدورة التكوينية في مقياس أخلاقيات المهنة، تتزاحم الكلمات، ويصعب أن توفيكم حقّكم، لكن يبقى واجب القلب قبل القلم أن يقول: شكرًا.
شكرًا لكم على ما قدّمتموه من انضباط صادق، واجتهاد مشهود، وتفاعل نابع من إحساس عميق بثقل الرسالة التي تحملونها. لقد لمست فيكم روح الأستاذ الحقيقي؛ ذلك الذي لا يكتفي بأداء الواجب، بل يؤدّيه بضمير حيّ، ونية صالحة، واحترام للمهنة قبل أي شيء آخر.
كنتم خلال هذه الدورة أكثر من متكوّنين؛ كنتم شركاء في الفكرة، وحاضرين بالقلب قبل الجسد، وهو ما جعل لحظات التكوين إنسانية بقدر ما كانت معرفية. وهذا، في حدّ ذاته، مؤشر خير على أساتذة سيتركون أثرًا طيبًا في أقسامهم، وفي نفوس تلاميذهم.
وإذ نودّع هذه المرحلة، فإنّنا نرفع أكفّ التمنّي بأن يكتب الله لكم النجاح والتوفيق في مهامكم التعليمية، وأن تكون أخلاقيات المهنة زادكم اليومي، وسندكم في لحظات التعب، وبوصلتكم حين تتعقّد الطرق.
ولا يسعني، بصدق ومحبة، إلا أن أعتذر لكم عن كل تقصير أو نقص، أو لحظة لم نكن فيها عند مستوى تطلعاتكم. فالكمال لله وحده، وما كان من جهد فبنية الخير، وما كان من خلل فنسأل الله أن يعفو عنه.
أغادركم اليوم، لكن أثر هذه التجربة سيبقى، والدعاء لكم سيظل حاضرًا:
أن يحفظكم الله، ويجعل منكم مربّين قبل أن تكونوا معلّمين، ورسلاً للقيم قبل أن تكونوا ناقلين للمعارف.
دمتم أوفياء لرسالة التعليم،
ودمتم فخرًا للمهنة.
مع خالص التقدير والامتنان.
الأستاذ محمد ماحي

*هذه القصة ليست حكاية خيالية،بل تجربة تربوية ممكنة،تبدأ حين يتحوّل المدير من مسيّر إلى قائد،وحين يلتقي المفتش بالمعلّم ل...
01/02/2026

*هذه القصة ليست حكاية خيالية،
بل تجربة تربوية ممكنة،
تبدأ حين يتحوّل المدير من مسيّر إلى قائد،
وحين يلتقي المفتش بالمعلّم لا ليُحاسبه،
بل ليرافقه،
وحين يصبح العمل التربوي فعلًا جماعيًا لا اجتهادًا فرديًا معزولًا.
في هذه القصة، نرافق شخصيات واقعية بروح رمزية،
نرى كيف تصنع الثقة نتائج،
وكيف يغيّر الالتزام البيداغوجي مصير تلاميذ،
وكيف يمكن للحلم، حين يُدار بحكمة،
أن يتحوّل إلى نموذج يُحتذى به.
هذه ليست دعوة إلى المثالية،
ولا تجاهلًا للصعوبات،
بل شهادة بأن المدرسة يمكن أن تكون أفضل
متى وُجد فيها من يؤمن أن التربية
ليست وظيفة… بل رسالة.
"مدرسة الأحلام"
في صباحٍ مشرق، كانت بوابة مدرسة الأحلام تفتح ذراعيها لاستقبال التلاميذ، بينما كان مدير المدرسة، العيد، يجلس في مكتبه محاطًا بالأوراق.
رشيدة ، كانت تراقب من بعيد، وقررت أن تتحدث مع العيد.
رشيدة : "صباح الخير، أستاذ العيد. أعتقد أن تزيين المدرسة من خلال النشاطات اللا صفية سيضفي جوًا مميزًا."
العيد: "فكرة رائعة، رشيدة لكن كيف يمكننا تنفيذ ذلك؟"
وفي الوقت نفسه، وصل المفتش الماحي إلى المدرسة.
المفتش الماحي: "صباح الخير، أستاذ العيد. أرى أن المدرسة بحاجة إلى لمسة جمالية، من خلال إشراك التلاميذ في نشاطات لا صفية مميزة."
العيد: "أتفق معك، الماحي. سنعمل معًا على تنفيذ هذه الفكرة."
ومع مرور الأيام، بدأت رشيدة، بمساعدة المفتش الماحي، في تنظيم ورش عمل فنية، وزينة للصفوف، وإشراك التلاميذ في مشاريع إبداعية.
رشيدة للتلاميذ: "دعونا نجعل فصولنا أكثر جمالاً من خلال أفكاركم وإبداعاتكم."
وبعد أن أصبحت المدرسة بيئة نابضة بالحيوية، التقى المفتش الماحي بالعيد في نهاية اليوم.
المفتش الماحي: "أستاذ العيد، هكذا يكون دور المدير، ليس فقط بين الأوراق والمراسلات، وتتبع غيابات المعلمين، بل في قلب الفعل التربوي، واستثمار الوسائل التربوية بفعالية."
العيد: "شكرًا لك، الماحي. لقد تعلمت الكثير، وسأواصل العمل بروح التفاعل والابتكار، مستفيدًا من كل الوسائل التربوية."
لم يكن التحوّل الذي عرفته المدرسة وليد صدفة، بل ثمرة وعيٍ جديدٍ تشكّل في عقل المدير العيد، حين أصغى بصدقٍ إلى نصائح المفتش الماحي. يومها أدرك أن الإدارة ليست أوراقًا تُوقَّع، ولا جداول تُعلَّق، بل روحًا تُبثّ في المكان. فخلع عباءة الإداري الجاف، وارتدى ثوب القائد البيداغوجي، القريب من الأقسام، الحاضر في المجالس، الداعم قبل أن يكون محاسبًا.

شيئًا فشيئًا، بدأت ملامح المدرسة تتغيّر. تحسّنت النتائج، لا لأن الأرقام طُلِبت، بل لأن الإنسان اعتُبر. التفّ الأساتذة حول مديرهم، لا خوفًا ولا مصلحة، بل ثقةً واقتناعًا. وجدوا فيه سندًا لا رقيبًا، وشريكًا في الرسالة لا مجرّد آمرٍ بالإنجاز. فاستعادوا دورهم التربوي والتعليمي، وصار القسم فضاءً للتعلّم والحوار، لا مجرّد حجرة تلقين.

أمّا التلاميذ، فقد أقبلوا على طلب العلم بشغفٍ صادق. صاروا يدخلون المدرسة بفرح، ويغادرونها بأسئلة. تعلّموا أن المدرسة ليست عقوبة يومية، بل فرصة للاكتشاف وبناء الذات. ارتفعت هممهم، وتفتّحت مواهبهم، لأنهم وجدوا من يؤمن بهم قبل أن يطالبهم.

وذات صباحٍ ربيعي، وقف المدير العيد في ساحة المدرسة يتأمّل المشهد: ضحكات الأطفال تمتزج بنداء الجرس، ودفاتر تُفتح كأنها نوافذ، وأقسامٌ تنبض بالحياة. لمح شجرة قديمة في وسط الساحة، كانت يابسة الأغصان يوم جاء أول مرة، فإذا بها اليوم مورقة، تستظلّ تحتها أفواج التلاميذ. ابتسم، وفهم الرسالة.

اقترب المفتش الماحي من الشجرة، مسح جذعها بيده وقال بهدوء: «الأرض واحدة… لكن من يسقيها يصنع الفرق». عندها أدرك الجميع أن المدرسة، مثل تلك الشجرة، لا تزهر بالأوامر، بل بالرعاية؛ لا تكبر بالخوف، بل بالثقة؛ ولا تعيش إلا إذا اجتمع على خدمتها مَن يؤمن بأن التعليم غرسٌ، لا حصادًا سريعًا.

وهكذا ظلّت مدرسة الأحلام قائمة، لا بجدرانها فقط، بل بما زرعته في القلوب. وكلّما مرّ بها عابر، حسبها مدرسة عادية، غير أنّ من دخلها يومًا، خرج وهو يعلم يقينًا:
أن الحلم، إذا سُقي بالوعي، يتحوّل إلى حقيقة…
وأن المدرسة، حين تُدار بالعقل والقلب معًا، تصنع مستقبلًا لا يصدأ.
بعد أن اطّلع المدير العيد على رزنامة اختبارات الفصل الأخير، لم يتعامل معها كوثيقة إدارية تُعلَّق وتُنسى، بل جعل منها منطلقًا لعمل جماعي واعٍ. علّقها على سبورة الإعلانات، ثم دعا الأساتذة إلى اجتماع مغلق، بعيدًا عن الضجيج والشكليات، اجتماعٍ عنوانه: الإنصاف التربوي قبل الأرقام.
جلسوا حول الطاولة، لا بصفة منفذين، بل شركاء في القرار. اتفقوا على بناء اختبارات تُقيِّم المكتسبات الحقيقية، متنوعة المستويات، واضحة المعايير، تعتمد سلّم تنقيط عادلًا، يُنصف المجتهد، ولا يظلم المتعثر، ويمنح كل تلميذ حقه دون زيادة أو نقصان.
حلّ يوم الاختبار، فكانت المدرسة في صورة أخرى: تنظيم محكم، توزيع مدروس للتلاميذ على القاعات، أسئلة وُضعت بعناية، وأجواء يسودها الهدوء والاطمئنان. أجاب التلاميذ بثقة، وصُحِّحت الأوراق بروح مهنية عالية، بعيدة عن المزاجية أو التساهل القاتل.
عندما أُعلنت النتائج، لم تكن مفاجِئة بقدر ما كانت مُطمئنة. نتائج مرضية عكست عملاً صادقًا لا ضربة حظ. وفي مجلس الأقسام، ساد التفاؤل بين الأساتذة، ليس تفاؤل الأمنيات، بل تفاؤل من يعرف أن الطريق الذي سلكه صحيح. قال أحدهم بهدوء:
"بهذا العمل… سنُشرّف المدرسة في الامتحان الرسمي."
وكان ذلك.
جاءت النتائج النهائية، فاحتلت المدرسة المرتبة الأولى، لا بالأرقام وحدها، بل بالمصداقية التي سبقتها. أُقيم حفل بهيج، حضرته السلطات المحلية، وتُوِّج التلاميذ بالجوائز، وتُوِّج الأساتذة بالاعتراف، وتُوِّج المدير بثقة جماعية لم تُشترَ، بل بُنيت.
هذه النتائج لم تكن وليدة الصدفة، بل ثمرة توفير كل الظروف: قيادة واعية، أساتذة منخرطون، تنظيم محكم، ورؤية تربوية واضحة.
وفي ختام الحفل، تقدّم المفتش الماحي، الذي تابع مشروع المدرسة التربوي منذ بدايته، ومنحه من وقته وجهده ما لا يُكتب في التقارير. قال في كلمته الختامية، بصوت هادئ ولكن عميق:
> "هذه المدرسة لم تنجح لأنها اجتهدت في اللحظة الأخيرة، بل لأنها آمنت بأن التربية مشروع طويل النفس. ما تحقق هنا ليس تفوقًا دراسيًا فقط، بل انتصار لفكرة: حين تتكامل الإدارة مع البيداغوجيا، وحين يُحترم الأستاذ، ويُؤمَن بقدرات التلميذ، تصنع المدرسة المعجزة دون ضجيج."
ثم أضاف مبتسمًا:
"مدرسة الأحلام ليست استثناء… بل نموذج يمكن تعميمه متى وُجد الإخلاص
لم تكن مدرسة الأحلام قصة نجاح عابرة، ولا حكاية مثالية تُروى للتسلية، بل شهادة حيّة على أن الإصلاح التربوي ممكن حين يتحرر من الشعارات، وينزل إلى الميدان. لقد أثبتت التجربة أن المدرسة لا تُبنى بالقرارات وحدها، ولا تُنقَذ بكثرة النصوص، بل تُصنع برجال يؤمنون بأن التربية رسالة قبل أن تكون وظيفة.
في هذه المدرسة، تحوّل المدير من مسيّر للوثائق إلى قائد بيداغوجي، واستعاد الأستاذ مكانته كشريك لا منفذ، وأُعيد للتلميذ حقه في تعليم عادل يُنصف جهده، لا يُقايض مستقبله. أما التفتيش، فخرج من منطق المراقبة إلى أفق المرافقة، فكان المفتش سندًا لا سيفًا، وبوصلة لا قاضيًا.
نجحت المدرسة لأن العمل فيها كان جماعيًا، ولأن القرارات لم تُفرض من الأعلى، بل نضجت في قاعات الاجتماعات التربوية، ولأن التقييم عاد إلى معناه الحقيقي: تشخيصٌ من أجل الإصلاح، لا تصنيفٌ من أجل الإدانة. وحين انتقلت التجربة إلى مدارس أخرى، تبيّن أن النجاح لا يُستنسخ، لكنه يُلهم، وأن الروح التربوية إذا وُجدت، وجدت معها الحلول.
مدرسة الأحلام تقول لكل متردد:
لسنا بحاجة إلى ظروف مثالية، بل إلى إرادة صادقة.
ولكل مُحبِط:
التغيير لا يبدأ من الوزارة فقط، بل من المؤسسة، من القسم، من قرار شجاع يُعيد للتربية معناها.
إنها دعوة مفتوحة لكل فاعل تربوي:
أن نُحسن الحلم… ثم نحوله إلى مشروع،
وأن نؤمن أن المدرسة، حين تُدار بالعقل والقلب معًا، قادرة على صناعة المستقبل.."
بعد سنواتٍ من العطاء، أُحيلت المعلمة رشيدة على التقاعد. رحلت عن السبورة، لكنها لم ترحل عن الذاكرة. كانت حمامة المدرسة، إذا حلّ موسم الامتحانات أُسندت إليها الأقسام الثقيلة، فكانت تحملها بثبات، وتبسط جناحيها على التلاميذ، تسهر، تراجع، وتُتقن، حتى صار النجاح ـ كما تعوّد الجميع ـ حليفها الدائم.
في يوم حفل التكريم، بلغ الخبر مسامع التلميذة هاجر. توقفت لحظة… لا لأنها سمعت باسم معلمة متقاعدة، بل لأنها سمعت باسم جزء من طفولتها.
هاجر، التي جلست يومًا في أحد أقسام الأستاذة رشيدة، عادت بها الذاكرة إلى الوراء. تذكّرت صرامتها التي لم تكن قسوة، بل انضباطًا يُشبه حرص الأم حين تخاف على أبنائها من الضياع. تذكّرت طريقة “لاما رتيتيار”، تلك الطريقة التي كانت كإيعازٍ لرتل من العسكر؛ أوامر واضحة، خطوات محسوبة، ولا مجال للفوضى. يومها كانت هاجر تخشاها، واليوم تفهمها.
تذكّرت العصا الحمراء الموضوعة على المكتب. لم تكن أداة ضرب، بقدر ما كانت رمزًا للهيبة. كانت العصا حاضرة، لكن الضرب غائب؛ يكفي وجودها ليحضر الانتباه، ويغيب التهاون. أدركت هاجر الآن أن تلك العصا كانت خطًا أحمر بين الجد واللعب، بين المستقبل والضياع.
كل تلك الصور اجتمعت في قلب هاجر، فشعرت أن الغياب عن حفل التقاعد سيكون خيانة للذاكرة. قررت الحضور، لا كضيفة، بل كتلميذة ما زالت مدينة لمعلمتها.
لم تحمل هدية ثمينة، بل حملت رسالة شكر؛ لأن هاجر تعلمت أن أعظم الهدايا هي الكلمة الصادقة. كتبت للأستاذة رشيدة، ولبنات جيلها من المعلمات المجتهدات، كتبت عن الصرامة التي صنعت النجاح، وعن الخوف الذي تحوّل إلى امتنان، وعن العصا التي تحولت في الذاكرة إلى منارة.
في الحفل، حين قرأت هاجر رسالتها،التي جاء فيها :أستاذتي الغالية رشيدة،
في هذا اليوم الذي نكرّم فيه مسارك التربوي الحافل، تقف الكلمات خجولة أمام عظمة العطاء الذي قدّمتِه على مدى سنوات طويلة.
لم تكوني لنا مجرّد أستاذة تلقّن الدروس، بل كنتِ أمًّا ثانية، ومرشدة، وصوت حكمة، ويدًا حانية في زمن كانت فيه القلوب في أمسّ الحاجة إلى من يفهمها قبل أن يعلّمها. علّمتِنا الحرف، لكنك قبل ذلك علّمتِنا القيم: الصبر، الاحترام، حبّ العلم، والإيمان بأن الاجتهاد طريق النجاح.
أستاذتي،
قد تنتهي سنوات العمل، لكن أثر المعلّم الصادق لا يتقاعد أبدًا. ستبقين حاضرة في ذاكرتنا، في أقلامنا، وفي كل خطوة نجاح نخطوها، لأن جزءًا منها صُنع بين يديك.
نيابةً عن نفسي، وعن كل تلميذ تتلمذ على يديك، أقول:
شكرًا لكِ على كل لحظة إخلاص،
شكرًا على كل تعب لم ننتبه له،
وشكرًا لأنك زرعتِ فينا ما سيبقى ما بقينا.
أسأل الله أن يجعل ما قدّمتِه في ميزان حسناتك، وأن يبارك لك في هذه المرحلة الجديدة من حياتك، صحةً وطمأنينةً وجزاءً جميلًا يليق بقلبك الكبير.
مع خالص المحبة والامتنان
تلميذتك: هاجر
لم تكن الكلمات وحدها من تتكلم؛ كانت دموع المعلمة، وارتجاف صوت التلميذة، وتصفيق الحضور، كلها تشهد أن المدرسة لا تصنعها الجدران، بل المعلمون… وأن التلميذ، مهما ابتعد، يعود يومًا ليقول:
شكرًا، لأنكم كنتم بداية الحلم.
وهكذا، اكتملت دائرة مدرسة الأحلام:
معلمة غرست، وتلميذة نضجت، وذاكرة لا تُحال على التقاعد.

*في كل مدرسة، تتقاطع يوميات المعلمين والمديرين بين الواجبات الإدارية والمواقف الإنسانية، بين الصرامة والرحمة، وبين النتا...
01/02/2026

*في كل مدرسة، تتقاطع يوميات المعلمين والمديرين بين الواجبات الإدارية والمواقف الإنسانية، بين الصرامة والرحمة، وبين النتائج الملموسة والفهم العميق للأسباب. بعض الأحداث الصغيرة تبدو للوهلة الأولى مجرد تفاصيل عابرة، لكنها تحمل في طياتها دروسًا تربوية عظيمة عن الصبر، والإنصات، والبحث عن الأسباب قبل إصدار الأحكام.
هذه القصة، التي تحمل عنوان «خمس دقائق»، تحكي واقعة بسيطة في ظاهرها: تأخر معلمة لبضع دقائق يوميًا. لكنها تكشف بعد النظر وفهم الظرف الإنساني للمعلمة، وتطرح سؤالًا جوهريًا لكل من يقود مؤسسة تربوية: هل نلاحق الأخطاء فقط، أم نسعى أولًا لمعرفة الأسباب؟
من خلالها، سنتعلم أن القيادة التربوية ليست مجرد تطبيق للقوانين، بل فنّ قراءة القلوب والتعامل مع البشر بعقلٍ متفهم وقلب رحيم، وأن أحيانًا الحل الحقيقي لا يكون في العقوبة، بل في التفهّم والمرونة.

خمس دقائق
في إحدى مدارس بلدية تيغليمات، كان الاجتماع منعقدًا في قاعة ضيّقة، جدرانها شاهدة على عشرات القرارات، بعضها أنصف التلاميذ، وبعضها أرهق المعلمين. كنا في إطار المراقبة والتكوين، نتداول شؤون الإدارة، حين قطع الصمتَ صوتُ أحد المديرين.
كان رجلًا صارم الملامح، مستقيم الظهر، لا يعرف التردّد طريقًا إلى لغته. قال بنبرة حاسمة: – المعلمة فلانة… كل يوم تتأخر خمس دقائق. تعبت معها. فما العمل؟
ساد القاعة شيء من الترقّب. الجميع ينتظر جوابًا إداريًا، إجراءً تأديبيًا، تنبيهًا، أو حتى عقوبة. نظرت إليه قليلًا، ثم سألته بهدوء: – خمس دقائق؟ قال مؤكّدًا: – نعم، دائمًا خمس دقائق.
ابتسمت، وقلت: – لا تكترث. قل لها: أضيفي هذه الدقائق في آخر الدوام.
نظر إليّ بدهشة، وكأن الجواب أفلت من ميزان الصرامة الذي اعتاد حمله. أكملت بهدوء: – المرأة في مرحلة الوَحَم، وستعود إلى طبيعتها.
ابتلع الرجل كلماته على مضض. لم يكن هذا هو الحل الذي جاء من أجله. لم أقدّم له عقوبة، ولا تعليمة صارمة، بل بابًا للفهم. افترقنا، وكلٌّ حمل في صدره قناعته، أو شكّه.
مرت الشهور… والتقينا من جديد. سألته عفوًا: – ما أخبار المعلمة المتأخرة؟
تنهد، ثم قال مبتسمًا: – لقد ظهرت حاملاً.
نظرت إليه وقلت ضاحكًا: – فمن أنبأك بالوَحَم؟
هزّ رأسه وقال: – والله لا أدري.
قلت له بجدّ هذه المرة: – ولا أنا. لكنني أردت فقط أن أنبّهك: لكل عِلّةٍ معلول. وقبل إصدار العقوبة، علينا أن نفتّش عن الأسباب.
سكت الرجل قليلًا، ثم قال: – ربما كنتُ أبحث عن الخطأ، لا عن الإنسان.
في التربية، لا تُقاس الأمور بالدقائق وحدها، بل بالقلوب التي تقف خلفها. فالعقوبة سهلة، أمّا الفهم فمسؤولية. ومن لم يتعلّم أن يسأل: لماذا؟ سيظلّ يعاقب… حتى يخطئ هو في حقّ الإنسانية.

* ليست كل الحصص الدراسية دروسًا في الكتب،فبعضها دروس في الحياة،تُقال عرضًا،لكنها تغيّر مصيرًا كاملًا.في مساري أستاذًا لل...
01/02/2026

* ليست كل الحصص الدراسية دروسًا في الكتب،
فبعضها دروس في الحياة،
تُقال عرضًا،
لكنها تغيّر مصيرًا كاملًا.
في مساري أستاذًا للغة العربية، أدركتُ باكرًا أن المدرسة لا تُصلح اللسان وحده،
بل قد تُعيد ترميم علاقةٍ مكسورة،
أو تُنقذ قلبًا صغيرًا من قرارٍ خاطئ
كان سيُتخذ باسم الألم.
هذه ومضة من زمن التدريس،
حيث كان الحوار أصدق من المقررات،
وكانت الكلمة—إن صدقت—قادرة على أن تُعيد الأب إلى قلب ابنته
قبل أن تُعيدها إليه
حين أنقذ الحوار ما لم تنقذه القوانين
لم تكن حصّة “الأعمال الموجّهة” يومها مادةً في الجداول الوزارية،
لكنها كانت، في وجداني، من أصدق حصص التعليم وأعمقها أثرًا.
كنت أُدرّس اللغة العربية وآدابها بثانوية هواري بومدين،
وأؤمن أن المدرسة لا تكتفي بتصريف الأفعال،
بل تُصلح ما انكسر في القلوب أيضًا.
ذات يوم، اقترحت على تلامذتي موضوعًا لم يكن مكتوبًا في أي برنامج:
تلك العلاقات التي نراها قبل الدخول عند بوابة الثانوية،
نظرات، همسات، وقلوب صغيرة تتعجّل ما لم يحن أوانه.
كنت قريبًا من تلامذتي،
أسمع أكثر مما أتكلم،
وأتدخّل لا لأقمع الرأي، بل لأهذّبه.
احتدم النقاش،
قال بعضهم إن الظاهرة غريبة عن قيمنا، ويجب محاربتها،
وقالت إحداهن بصوت مفعم باليقين:
— إن كان لا بدّ من الحب، فأنا أحب أبي… هو تاج رأسي، هو الذي يعلّمني.
ساد صمت قصير،
ثم انفجرت كلمات أخرى، قاسية كحجر:
— أما أنا فأمرغ أنف أبي في التراب… فأنا عنده عار!
كنت أوجّه النقاش كل مرة،
لكن بعد هذه العبارة… ساد صمتٌ ثقيل.
وفي ذلك الصمت، رفعت تلميذة أخرى رأسها وقالت بهدوء جارح:
— أنا لا أعرف أبي.
قلت، وقد خانني اللفظ:
— كيف؟ أأنتِ لقيطة؟
انتفضت:
— لا يا أستاذ، ما هذا الكلام!
فقلت:
— وأنا أردّ فقط على كلامك.
ثم شرحت:
أبي طلّق أمي وأنا وأخي صغيران،
ومنذ ذلك الوقت لا نعرفه ولا يعرفنا،
ولا نحتاجه.
نظرتُ إليها طويلًا، ثم قلت بهدوء المعلّم الذي يعرف خطورة اللحظة:
— هذا كلام بُني فيك، لا وُلد منك… وغالبًا بغير قصد من أمك.
وتابعت:
— أنتِ الآن قريبة من سنّ الزواج، وحين يأتيك خاطب،
فهو لا يخطبك من أمك، بل من أبيك… فهو وليّك الشرعي.
كان عيد الفطر قريبًا،
فقلت لها، وكأنني أزرع بذرة أمل أخير:
— يوم العيد، البسي أنتِ وأخوك أحسن لباس،
وتوجّها إلى أبيكما،
وقولا له: بفضل أمّنا تربّينا أحسن تربية،
وها نحن نأتي نؤدّي واجبنا نحوك.
رنّ الجرس…
وبقي العيد معلّقًا في القلوب.
في حصة لاحقة، دخلت التلميذة وعيناها تلمعان:
— يا أستاذ… ما أروعك، وما أروع قبلة الوالد واحتضانه.
ابتسمتُ…
وعرفت أن الكلمة حين تخرج من قلب صادق،
تصل.
مرت السنين…
وذات يوم، وأنا داخل إلى إحدى الإدارات،
جاءتني شابة مسرعة وقالت:
— الحمد لله مات أبي… ولم أخطئ.
حدّقت فيها طويلًا،
قلت:
— من أنتِ؟
أعادتني الذاكرة إلى تلك الحصة،
إلى ذلك الصمت،
إلى العيد المؤجّل…
فعرفتها.
تعلّمتُ من تلك الواقعة أن الأستاذ قد لا يغيّر مقرّرًا،
لكنه قد يُنقذ قدرًا،
وأن الحوار الصادق
قد يُصلح ما عجزت عنه سنوات من القطيعة.
وأن بعض النصائح…
لا تُثمر فورًا،
لكنها تُنقذ الإنسان
حين يأتي أوان الحساب.

* في العمل الإداري التربوي، قد يبدو الطرد أحيانًا أسهل القرارات، وأسرعها تنفيذًا، وأخفّها عبئًا على المؤسسة. لكنه في الح...
01/02/2026

* في العمل الإداري التربوي، قد يبدو الطرد أحيانًا أسهل القرارات، وأسرعها تنفيذًا، وأخفّها عبئًا على المؤسسة. لكنه في الحقيقة من أخطرها أثرًا، لأن التلميذ حين يُقصى لا يُغلق ملفًا… بل يُفتح جرح.
هذه المذكرة ليست دفاعًا عن الخطأ، ولا تبريرًا للسلوك المنحرف، وإنما وقفة مع ممارسات عايشتها خلال عملي رئيسًا لمصلحة التمدرس والامتحانات، حيث تحوّل الطرد عند بعض الإدارات من إجراء استثنائي إلى ردّ فعل متسرّع، تغذّيه العجرفة أكثر مما يضبطه القانون.
حادثتان واقعيتان، تكشفان كيف يمكن لقرار واحد غير محسوب أن يدفع التلميذ نحو الشارع، أو يعيده إلى مقعده حين يجد من يُذكّر بأن التربية احتواء قبل أن تكون عقابًا.

حين يتحوّل الطرد إلى دليل عجز
عن طرد التلاميذ، كثيرًا ما تنشأ قصة اسمها العجرفة.
عجرفة لا تصرخ، لكنها تُوقِّع قراراتها بثقة زائدة، وتظن أن الباب حين يُغلق خلف تلميذ… تنتهي المشكلة.
حين كنت رئيسًا لمصلحة التمدرس والامتحانات، توالت عليّ شكاوى أولياء حول طرد أبنائهم من المؤسسات. لم تكن الأرقام متشابهة، لكن القاسم المشترك كان واحدًا: السهولة المفرطة في اتخاذ قرار الفصل.
من بين تلك الشكاوى، ما زالت حادثتان عالقتين في ذاكرتي.
الأولى، تلميذان في متوسطة بقرية نائية، أدخلا جروًا صغيرًا إلى فناء المؤسسة.
خطأ؟ نعم.
طيش؟ بالتأكيد.
لكن ما حدث بعده كان أكبر من الخطأ نفسه.
عُقد اجتماع، وصدر القرار: فصل عن الدراسة.
بعد أيام، وصلتني شكوى الأولياء. قرأتها بهدوء، وأرفقتها بمراسلة إلى مدير المؤسسة، أطلب فيها إرجاع التلميذين إلى مقعديهما.
لم تمضِ سوى أربع وعشرين ساعة حتى جاءني المدير بعريضة، موقّعة من مجموعة من الأساتذة:
إما الطرد… أو الاحتجاج.
طلبت من المدير الجلوس. كان جديد العهد بالإدارة، والحماس يسبقه إلى القرارات.
ذكّرته بالإجراءات القانونية، وبمن يملك حق الفصل ومن لا يملكه.
ثم سألته بهدوء:
– التلميذان يدرسان عند سبعة أساتذة، فكيف وقّع غيرهم؟ متى اتُّفق؟ وأين المحاضر؟
صمت.
قلت له:
– أعطني أسماء الأساتذة الذين يدرسون التلميذين فقط، هؤلاء يُعفون من أي إجراء. أما البقية، فسيُسجَّل في حقهم إنذار. وأنت معهم، لأنك لم تحترم المسار الإداري والقانوني.
ارتبك. تلعثم. ثم قال بصوت خافت:
– ربما كنت مدفوعًا… من حيث لا أدري. سيعود التلميذان إلى قسمهما، وأرجو المعذرة.
عادا.
أما الحادثة الثانية، فجاءتني في ظرف أشد حساسية.
شكوى من وليّ تلميذ فُصل من الدراسة، وهو لم يبلغ بعد السادسة عشرة.
راسلت المدير، مرفقًا الشكوى، وطالبته بإرجاع التلميذ.
فما كان منه إلا أن حضر إلى مكتبي، يحمل ملفًا ثقيلاً، وقال:
– سيدي، إذا أرجعت هذا التلميذ، فعليّ أن أرجع ثمانية عشر مثله.
قلت دون تردد:
– نعم… وفقًا للقانون.
قال محتجًّا:
– الاكتظاظ!
قلت:
– نُعدّل الخريطة التربوية، ونضيف وحدة.
ناديت سي أحمد، وسألته:
– كم نحتاج من منصب مالي؟
قال:
– منصب واحد… فرنسية.
التفتُّ إلى المدير:
– توكّل على الله، وأرجع أولاد الناس إلى الدراسة.
تردّد قليلًا، ثم قال:
– في الحقيقة… لا أحتاج إلى وحدة تربوية. سأعيد توزيع التلاميذ، ليصبح العدد في كل قسم ثلاثة وثلاثين.
ابتسمت وقلت:
– فأين الاكتظاظ إذن؟
عاد التلاميذ. وبقي الدرس.
الطرد ليس حلًّا، بل إعلان فشل مؤقت في الاحتواء.
والتلميذ، مهما أخطأ، يبقى أمانة في أعناقنا، لا ملفًا يُغلق ولا رقمًا يُحذف.
الشارع لا يربّي…
والفراغ لا يُهذّب…
ومن يطرد تلميذًا اليوم، قد يستقبله المجتمع غدًا بصورة أخطر.
احتووا التلاميذ،
كونوا طرفًا في الحل لا جزءًا من المشكلة،
فالتربية قبل أن تكون قانونًا…
هي ضمير.

*ليست كل الدروس تُقاس بنتائج الاختبارات، ولا كل القيم تُغرس بالمناهج المكتوبة.في المدرسة، كما في الحياة، هناك لحظات صغير...
01/02/2026

*ليست كل الدروس تُقاس بنتائج الاختبارات، ولا كل القيم تُغرس بالمناهج المكتوبة.
في المدرسة، كما في الحياة، هناك لحظات صغيرة في شكلها، عميقة في أثرها، تصنع في وجدان المتعلم ما تعجز عنه الخطب الطويلة.
إن التعزيز التربوي ليس مكافأة مادية بقدر ما هو اعتراف إنساني، ورسالة صامتة تقول للمتعلم: أراك، أقدّرك، وأؤمن بقدرتك.
وقد يكون هذا التعزيز كلمة صادقة، نظرة فخر، أو فعلًا بسيطًا يتحوّل في ذاكرة الطفل إلى علامة فارقة في مساره الدراسي والنفسي.
القصة الآتية ليست عن مفتش، ولا عن معلمة، ولا عن تلميذة متفوقة فحسب،
بل هي عن قيمة…
قيمة أن نُعزّز في الوقت المناسب، وبالصدق الكافي، ولو بأبسط الوسائل.
هي شهادة من الميدان، ومن قلب القسم، تذكّرنا بأن التربية الحقة تُبنى أحيانًا على تفاصيل صغيرة،
لكن أثرها يبقى طويلًا…
بطول ذاكرة طفل لم ينسَ عشرة دنانير، لأنها كانت أول اعتراف.
عشرة دنانير لا تُنسى
في بلدية تيغاليمات، التابعة لدائرة تلاغ بولاية سيدي بلعباس، دخلتُ ذات صباح قسمَ السنة السادسة ابتدائي، لا أحمل معي سوى دفتر ملاحظات ونية صادقة للوقوف على نبض التعلّم داخل الجدران الأربعة.
حضرتُ مع المعلمة ثلاث حصص متتالية. كانت الحصة عادية في ظاهرها، لكن شيئًا غير عادي كان يتشكّل بهدوء. تلميذة صغيرة، جلست في الصفوف الأمامية، كانت كلما طُرح سؤال نهضت كلماتها بثبات.
لغة فصيحة، نبرة واثقة، وصوت يعرف متى يعلو ومتى يهمس، كأنه يترجم المعنى قبل أن ينطق بالحرف.
نص القراءة لم يكن يُقرأ فقط، بل يُعاش على لسانها.
كانت المعلمة تبتسم في صمت، ابتسامة من يعرف أن جهده لم يضع هباءً. المناقشة التي أدارتها مع تلامذتها كانت خصبة، والأسئلة تنبت أجوبة، لكن تلك التلميذة كانت كالمفتاح الذي يفتح شهية القسم للفهم.
في نهاية الحصة، شكرتُ المعلمة على حسن التسيير، وحيّيتُ التلاميذ على تفاعلهم، ثم توقّفت عند تلك التلميذة المجتهدة. أردتُ أن أكرّمها… لا بمنشور ولا بخطاب، بل بإشارة بسيطة تقول لها:
ما تفعلينه مرئي، ومقدَّر، ومهم.
فتّشتُ جيبي، فلم أجد سوى عشرة دنانير.
قدّمتهما لها مبتسمًا، وقلت:
– هذه لكِ، لأنكِ اجتهدتِ.
ابتسمت، وأخذتهما بكلتا يديها، وكأنها تتسلّم وسامًا.
مرّت الشهور… وعادت الزيارة.
دخلتُ المدرسة من جديد، والتقيتُ بالمعلمة. وبين حديث وآخر، قالت لي مبتسمة بدهشة ممزوجة بإعجاب:
– هل تعلم؟ تلك التلميذة ما زالت تحتفظ بالعشرة دنانير.
ثم أضافت:
– تقول لكل من يسألها: «أهدانيها السيد المفتش».
توقّفت الكلمات في حلقي.
لم تكن العشرة دنانير هي ما احتفظت به، بل المعنى الذي حملته.
احتفظت بالشعور: أن هناك من رآها، ومن آمن بها، ومن قال لها دون خطبة طويلة:
أنتِ قادرة.
وهنا أدركتُ درسًا جديدًا، لم أقرأه في كتاب بيداغوجيا:
أن التعزيز الصادق، مهما بدا بسيطًا، قد يتحوّل في قلب المتعلم إلى ذاكرة دافئة، وإلى دافع داخلي، وإلى قصة يرويها بثقة.
ليست القيمة في المبلغ،
ولا في المنصب،
بل في الاعتراف.
قد ينسى المتعلم دروسًا كثيرة،
لكنه لا ينسى أبدًا من عزّز ثقته بنفسه…
ولو بعشرة دنانير.

*في عالم التعليم، لا تكمن الأخطاء دائمًا في غياب المعرفة،بل في كيفية تقديمها للتلاميذ.كل درس، وكل وسيلة، وكل لحظة في الق...
01/02/2026

*في عالم التعليم، لا تكمن الأخطاء دائمًا في غياب المعرفة،
بل في كيفية تقديمها للتلاميذ.
كل درس، وكل وسيلة، وكل لحظة في القسم هي فرصة لبناء الفهم أو تشويهه.
في هذه الزيارة، شهدتُ موقفًا تربويًا مؤسفًا لكنه مليء بالدروس:
أستاذ قديم ، درس مبرمج، لكن التحضير المسبق والوسائل المناسبة غاب عنهما،
فأدى ذلك إلى ما نسميه خطأ إبستمولوجيًا:
معرفة قُدمت، لكن بطريقة قد تُربك عقول المتعلمين بدل أن تنيرها.
هذه القصة ليست مجرد نقد،
بل تذكير لنا جميعًا بأهمية التحضير الجيد والدقة في تعليم الأطفال،
وبأن كل وسيلة وكل تفصيل في الدرس له أثر لا يُمحى.
زيارة مؤسِفة

على الساعة الثامنة تمامًا،كنت بمدرسة براهمي بلقاسم ببوعلام
فتحتُ باب القسم ودخلتُ بهدوء.
كان الدرس عن الأحوال الجوية،
موضوع بسيط… لكنه خطير إن أسيء تقديمه.
وقف الأستاذ أمام تلاميذه،
أخرج ورقة صغيرة عادية 27/21رفعها عاليًا وقال:
— أخرجوا ورقة مقوّاة.
نظرتُ إلى الوجوه الصغيرة،
تلاميذ يفتشون في محافظهم،
ولا ورقة مقوّاة في الأيدي.
رغم ذلك، واصل الدرس.
قال:
— لنرسم دائرة… على أنها الشمس.
رسم التلاميذ دوائر باهتة،
ورسم هو الآخر دائرة…
كانت صغيرة، خجولة،
ثم علّقها على السبورة.
عندها،
لم أتمالك نفسي.
ناديته ان أحضر إلى جانبي_كنت في مؤخرة القسم _
قلتُ بصوت هادئ لكنه حازم:
— يا أستاذ، لقد ارتكبتَ أخطاءً إبستمولوجية.
التفت إليّ باستغراب.
قال لم افهم.ماهو الخطأ هذا الذي ذكرته.
قلت:الخطأ الإبستمولوجي هو خطأ في طريقة بناء المعرفة ونقلها،
لا في المعلومة ذاتها فقط.
او بمعنى أدق:
هو تقديم المعرفة للتلميذ بأسلوب يخالف طبيعة تعلّمه، أو يربك فهمه، أو يناقض شروط الإدراك السليم..
تابعت:
— لا الأوراق مقوّاة، ولا الشمس على السبورة واضحة.
أنت لا تشرح فقط… بل تُربك عقول التلاميذ وتُتعب أبصارهم.
حاول التبرير:
— التلاميذ لا يحضرون الوسائل.
قلت له:
— وكم علبة حليب (لحظة)تُرمى كل صباح من المطعم المدرسي؟
كان يمكن جمعها، قصّها،
وتحويلها إلى ورق مقوّى يخدم الدرس.
سكتَ.
أضفتُ:
— المشروع البيداغوجي، أستاذي العزيز،
لا يُرتجل داخل القسم.
إن لم يُحضَّر له مسبقًا،
فما معنى أن نعلّق التوزيع السنوي والشهري قرب المكتب؟
ثم قلت، وأنا أتهيأ للمغادرة:
— التحضير ليس ترفًا.
قال أحد المربين يومًا:
«أحضّر كل يوم…
حتى لا أشرب تلامذتي ماءً راكدًا».
انصرفتُ،
وتركتُ التقرير التربوي معلّقًا،
لا عقابًا،
بل انتظارًا أن يستقيم الحال.

الدرس الجيد لا يُولد في القسم،
بل يُصنع قبله.
والوسيلة التعليمية ليست ورقة تُرفع،
بل فكرة تُحضَّر باحترام عقل المتعلم.
من لا يُحضّر درسه،
لا يضيّع وقته فقط،
بل يضيّع فرصة الفهم
في عقول لا ذنب لها سوى أنها وثقت بمعلمها.

*ليست كل الزيارات التربوية امتحانًا،وليست كل اللجان ميزانَ عدل،فبعضها يكشف الكفاءة،وبعضها يعرّي السلطة حين تفتقد المعرفة...
01/02/2026

*ليست كل الزيارات التربوية امتحانًا،
وليست كل اللجان ميزانَ عدل،
فبعضها يكشف الكفاءة،
وبعضها يعرّي السلطة حين تفتقد المعرفة.
في مدرسةٍ عتيقة، تشبه تاريخها أكثر مما تشبه حاضرها،
وقفتُ ذات يوم شاهدًا على درسٍ لم يُكتب في المذكرات الرسمية،
درسٍ لم يكن موجّهًا لتلميذ،
بل لمدير… ولمدونة القيم التربوية كلّها.

حين يتكلم الإخلاص… وتصمت السلطة
بمدرسة مزاورو العتيقة، حيث الجدران تحفظ أسماء أجيالٍ مرّت وذهبت،
عُيّنت أستاذة شابة في إطار الإدماج. كانت في مقتبل العمر، رشيقة الحضور، ثابتة الخطى، كأن القسم يعرفها منذ زمن.
دخلتُ عليها في زيارة تكوينية، حيّيتها، أخبرتها بسبب الزيارة، فردّت بابتسامة هادئة:
«مرحبا أستاذ».
جلستُ في مؤخرة الصف، أرقب التفاصيل الصغيرة؛ تلك التي لا تُدرّس في المعاهد: نبرة الصوت، توزيع النظرات، هندسة الصمت، وحُسن إدارة الزمن. لم ترتجف، لم تتصنّع، لم تُبالِ بوجودي. كانت تُدرّس كما لو أن التعليم فعلُ حياة لا عرضُ امتحان.
قدّمت دروسها في منتهى الروعة؛ شكلاً ومضمونًا، روحًا ومعنى.
بعد انتهاء الحصة، صاحبتها إلى مكتب المدير للمناقشة والتوجيه. قلت لها، دون مواربة:
— كنتِ رائعة… من أين لكِ كل هذا الاحتراف وأنتِ جديدة؟
طأطأت رأسها حياءً، وقالت ببساطة تُربك الإعجاب:
— أبي وأمي معلّمان… وكنت أكتب لهما أحيانًا مذكرات التحضير، هذا كل ما في الأمر.
شكرتها، وأوصيت بها المدير خيرًا، ومضيت.
بعد أشهر، عدتُ إليها، لكن هذه المرة في لجنة ترسيم: أنا رئيسًا، المدير عضوًا، وزميلة لها سبقتها في الميدان.
نشّطت ثلاثة دروس متتالية، بثبات واقتدار وحيوية لا تصطنعها التجربة القصيرة ولا تشرحها النصوص الرسمية. كانت تعرف ماذا تفعل، ولماذا تفعله.
في المناقشة، شكرتها أولًا، ثم فتحت المجال لزميلتها الأستاذة، ثم للمدير، على أن يكون التعقيب لي في النهاية.
تكلّم المدير… لكن صوته جاء محمّلاً بتعالٍ لا علم وراءه، وتوجيهات لا تستند إلى بيداغوجيا ولا تجربة. نظرتْ إليه في صمت، لم تجادل، لم تحتجّ… فقط سكتت.
في المادة الثانية، تكرر المشهد. الأستاذة ناقشت بعقل، والمدير وجّه بخطأ صريح. كنتُ في المرة الأولى قد لمّحت له أن الصمت أحيانًا أكرم من الكلام الفارغ، لكنه لم يلتقط الإشارة.
هذه المرة، التفتُّ إلى المترشحة وقلت بهدوء حاسم:
— لا تُعيري هذا الكلام اهتمامًا.
اشتعل غضب المدير، وقال بنبرة تهديد:
— من اليوم فصاعدًا، لن أكون في لجنة ترأسها أنت.
نظرتُ إليه مباشرة، وقلت:
— احترم نفسك تُحترم. أمثالك من المديرين لا يُنتجون… بل يُثبّطون.
ساد الصمت. صمتٌ ثقيل، لكنه صادق.
رُسِّمت الأستاذة… كما يجب أن يُرسَّم الإخلاص.
أما المدير، فبقي في منصبه، كما تبقى كثير من الأخطاء: محمية بالكرسي، مكشوفة بالواقع.
وتعلّمتُ يومها أن المدرسة لا تنهض بكثرة الأوامر،
بل بقلة الادّعاء،
وأن بعض الصمت تربية،
وبعض الكلام… إساءة مهنية.
أما هي،
فكانت تعرف—منذ البداية—أن من تربّى على يد معلّمين حقيقيين،
لا تُخيفه لجنة،
ولا تُربكه سلطة بلا معنى.

Adresse

حي اولاديحي 2
El Bayadh
32016

Site Web

Notifications

Soyez le premier à savoir et laissez-nous vous envoyer un courriel lorsque أسـود وأبيـض publie des nouvelles et des promotions. Votre adresse e-mail ne sera pas utilisée à d'autres fins, et vous pouvez vous désabonner à tout moment.

Raccourcis

Partager