20/08/2026
في ليبيا.. من لا يملك الرواية يصبح جزءاً من رواية غيره
أبوبكر المعرفي
في ليبيا، لم تعد المعركة فقط على من يملك الأرض، بل على من يملك القصة التي تُروى عنها.
قد تملك القرار والقوة والحدث نفسه، ثم تستيقظ في اليوم التالي لتكتشف أنك لا تملك روايته.
وهنا تحديداً تكمن أزمة الإعلام في الشرق.
فالشرق لا يعاني من فقر في الأحداث، بل من ضعف في استثمارها. لديه ما يقوله، لكنه لا يقوله دائماً بالطريقة التي تجعل الآخرين يسمعونه. لديه الصورة فيكتفي بنشرها، ولديه الخبر فيتأخر في شرحه، ولديه المسؤول لكنه يضع بينه وبين الإعلام أبواباً أكثر مما يضع أمامه من معلومات.
وفي الإعلام، من يتأخر لا يصل ثانياً فقط، بل قد يصل ليجد أن القصة كُتبت، والعنوان اختير، والانطباع تشكّل.
المشكلة ليست في غياب المنصات ولا في نقص الإمكانات، بل في عقلية لا تزال تتعامل مع الإعلام أحياناً باعتباره صورة لمسؤول، وبياناً بعد اجتماع، وخبراً يبدأ بـ"استقبل" وينتهي بـ"بحث الجانبان".
لكن الإعلام لا يعيش في قاعات الاجتماعات.
في الغرب، لا توجد ماكينة إعلامية خارقة، لكن هناك أطرافاً فهمت قيمة ملء الفراغ. تتحرك بسرعة، تقدم روايتها، وتدفع بمصادرها ومعلوماتها إلى الواجهة. قد تكون الرواية منحازة أو ناقصة أو قابلة للنقاش، لكنها تصل.
وهنا يخسر الشرق نقاطاً كان يمكن ألا يخسرها، ليس لأن الطرف الآخر دائماً أكثر إقناعاً، بل لأنه في أحيان كثيرة أسرع حضوراً.
وحتى الصحفي الذي يعمل لصالح مؤسسة إعلامية دولية، لم يُستثمَر وجوده في الشرق بالشكل المطلوب. والمقصود بالاستثمار ليس توجيهه أو شراء موقفه، بل التعامل معه باعتباره نافذة تصل من خلالها المعلومة إلى جمهور خارج الحدود: تسهيل الوصول، توفير المصادر، تقديم الخلفيات، وفتح الباب أمام السؤال حتى عندما يكون صعباً.
فالصحفي الذي لا يجد المعلومة عندك لن يتوقف عن البحث، سيأخذها من مكان آخر. وعندما تصل رواية غيرك إلى مؤسسته قبلك، يصبح من الصعب أن تطلب منه تجاهلها وأنت لم تقدم بديلاً لها.
الشرق يمتلك قصة كبيرة، لكنه لا يزال يروي أجزاءً صغيرة منها.
والفراغ في الإعلام لا يبقى فراغاً.
إذا لم تضع روايتك فيه، سيضع الآخر روايته. وإذا لم تشرح صورتك، سيشرحها غيرك. وإذا لم تعرّف نفسك للعالم، سيعرفك العالم من خلال تعريف الآخرين لك.
هذه ليست دعوة لصناعة دعاية جديدة، بل لفهم قاعدة بسيطة:
ليس المهم فقط أن تكون لديك رواية، بل أن تعرف كيف ومتى ولمن ترويها.
فالمشكلة في الشرق ليست أنه بلا صوت، بل أن صوته يصل أحياناً بعد أن ينتهي الآخرون من الكلام.
وفي معركة الإعلام، هناك فارق كبير بين من يصنع العنوان، ومن يقضي يومه كله في محاولة تصحيحه.