16/09/2026
حينما كنتُ في الخامسة من عمري أقّر والداي أنه حان ميعاد دخولي للمدرسة تمهيداً للصف الأول ،وهو ما يُعرف باسم (الطالب المُستمع) في المدارس السوريّة،فهم كانوا على ثقة أنني لا احتاج لادخل الحضانة _وإنني لم ادخلها أبداً سابقاً_ فكنتُ بنظرهم مجتهدة وفائقة الذكاء وقادرة على التأقلم في بيئة تعليمية تكبرني..
اقنعني والداي أن هناك معلمةٌ لطيفةٌ تنتظرني،واصدقاءٌ مهذبون وسألعبُ وارسمُ كثيراً، وها هي سندويشةُ الزعتر الطازجة و العشر ليراتٍ مصروف يومٍ كاملٍ حيث كانتْ تُعتبر ثروة أنذاك.
اتذكر يوميَّ المدرسيَّ الأول!
طفلةٌ بطول بضع سانتيمترات،بضفيرتين صغيرتين،عيونٍ ناعسة،تلبسُ مريولاً أزرق،و في ظهرها حقيبة أكبر منها فيها قلمُ رصاص و دفتر صغير، يقودها المدير عبر كوريدورٍ مُشمس ،
يطرق الباب بهدوء،
فتفتحُ لهُ المعلمة ،وكان اسمها "حَبابة"!
بمعطفٍ شتويٍّ قصير،جزمة جلد،شعرٍ قصيرٍ مرتب و نظارة طبية على عينها،تحمل مسطرةً مُجلّدة بلاصق أسود..
كانت عابسة جداً و لم تستقبلني الاستقبال الذي رسمه أهلي في مخيلتي الصغيرة..
ادخلوني،
ثم امعنتْ المعلمة النظر لتجدَ مكاناً واحداً فارغاً في الصف ،وهو بجانب صبيين صغيرين_ أحدهم كان جاري في الحارة_في الجهة قرب الباب ،لاجلس في الزاوية كالمسجون..
لأقول الحق..شعرتُ وكأنني في الجحيم!
وبطبعي كنتُ اجتماعيةً جداً، حاولتُ الحديث من مقعد الفتيات الذي ورائي لكن محاولتي باءت بالفشل _لأنه لا أحد يريدني فأنا أصغر منهم _
حاولت الحديث مع ابن الحي،لكنه اضطرب
فكيف لفتاةٍ تجرأ على الحديث معه أو تجلس جانبه في الصف! متناسياً أننا نلعب معاً في الحارة ،ولكن هيبته أمام صبية الصف الآن هي الأَولى!
اتذكر الحصة الأولى كانت حصة الرياضيات!
كتاب الصف الأول كان للتعريف عن الاشكال و عمليات بسيطة،لم يكن لدي كتبٌ بَعد..فامسكت القلم وبدأت ارسم على كتاب الصبي الذي بجانبي
لينفجر الآخر صراخاً وهو ينادي :
_ ( يا آنسة شخوطتلي ع كتابي هي).
مُشيراً إليَّ !
لم أخف ابداً ،
فماذا بمقدور صراخهِ أن يفعل؟
لتأتي المعلمة مهرولةً صوبي
فتصفعني كفٌ واحدٌ على خدي ثم تتبعها بقول :
(نحن ما منشخوط على كتاب رفقاتنا اللي جنبنا، انتي مُستمعة مالك كتب) ثم شتمتني!
لم أبكِ حينها ولم أنبس ببنت كلمة،لأنني كنت مذهولةً و اعتقد أنني اتخيل!
ولم تعتذر المعلمةٌ بعد انفعالها على طفلةٍ أبداً..
ثم مسحتُ بالممحاة ما بدر منّي...
وكان هذا الكف الأول الذي اتذكره في حياتي..في أول يومٍ مَدرسيَّ و أول حصةٍ ...
لكنهُ لم يكن الكف الأخير منها!
لأنها كانتْ تضربني باستمرار،وتعاقبتي كلما إحلّو الأمر لها..
ولستُ الوحيدة المعنية بالضرب،فكان الصف كله يُقاسمني الكفوف و الشتائم و المساطر على اليدين دون ادنى دفاعٍ عن النفس فهنا عمليةٌ تربويةٌ تستحق!
مضى ألمُ تلك الصفعة حينها
و مضتُ سنةُ المُستمعةِ الذي تفوقت بها دراسياً بجدارةٍ على ابن الجيران رغم سنّي،
و مضتُ سنوات الدراسةِ في المدرسة تلكَ بمرها وحلوها
وتخرجتُ وعملتُ و بلغتُ الخامسة والعشرين من عمري..
لكنني لم انسَ يوماً ذاك الكف!
ولا كيف شعرتُ حينها
ولا الدموع التي انحبستْ في داخلي
ولا ذهولي من الواقع الذي يكبرني
ولا تلك المعلمة التي لم يكن لها من اسمها نصيب حتى!!
وايقنتُ أن المدرسة ليستْ بيتي الثاني ..لأنّي في بيتي لا أُضرب ولا أُهان!
والآن،
تريدون جيلاً مبنياً على عقدة الضرب في المدارس بعد كل هذه الحرب والاضطرابات؟؟؟
كم "حَبّابة'' تلدُ مدارسنا سنوياً؟
وكم طفل وطفلة يشعرون بما شعرتُ قبل عشرين عام؟
هنا تنتهي التساؤلات..على أملٍ بسيطٍ آلا تتكرر نسخُ "حَبَابة" ولا نُسخُ قوانين حزب البعـ.ـث التربوية!