إنّ "حركة جيل جديد" التي نعلنُ اليومَ عن تأسيسها، بعد حوالي السّنتين من بداية تشكّلها وبناء فكرتها ورؤيتها و بروز بعض برامجها، هي بالأساس إطار نضال وحلقة تفكير وبرنامج للتغيير، ليست حزبًا سياسيّا ولا جمعيّة ولا حركة شبابيّة بالمعنى السّائد اليوم. إنّها
- إطار نضال : فهي، منذ أيّام تشكّلها الأولى، قد كانت مشتبكة مع الاستبداد، وكمكوّن داخل الحركة الطلاّبية تصدّت للدّفاع عن مصالح هذه الحركة فناضلت ب
لا هوادة من أجل حرّية العمل النّقابي والسّياسي داخل الجامعة، ودافعت عن الجامعة العموميّة التي تعرّضت خلال السّنوات الأخيرة، خصوصًا مع تطبيق برنامج إمد، إلى خوصصة مُقنّعة تمّت بزعم إعادة هيكلة الجامعة وفق مقتضيات السُّوق، كما ناضلت دفاعًا عن حقّ أصحب الشّهائد في العمل، وتعرّض مناضلوها إلى الطّرد والإيقاف جرّاء مواقفهم المبدئية داخل هياكل الإتّحاد العام لطلبة تونس.
وستظلّ "حركة جيل جديد" مدرسة للنضال، ستتدعّمُ لا محالة، بفضل هذه النقلة النّوعية في بنائها "التّنظيمي – الأفقي" لتشمل، علاوة على الجامعة والحركة الطلاّبية، قضايا البلاد عامّة والشّباب بصفة خاصّة.
- حلقة تفكير : فلا نضال ولا عمل، دون فكر وتخطيط، ولا معنى البتّة للنّضال في غياب برامج وبدائل وتصوّرات، وإلاّ تحوَّل النضال إلى مجرّد احتجاج وصُراخ. إن "حركة جيل جديد" هي حلقة تفكير (cercle de pensée) تعتني بالفكر وتعتبرُ أنّ للعامل الثّقافي بصفّة عامة دورًا محوريّا في عملية التغيير الاجتماعي، فالوعي رهانٌ صعب، والقدرة على طرح السؤال في عالم المسلّمات والنقد والتفكيك وخلخلة "أسيجة الدّغمائية" أمرٌ ليسَ بالهيّن.
- برنامج للتغيير : لا تكفي رفع الشّعارات وإلقاء الخطب الرنّانة في تغيير الأوضاع، بل المطلوب برنامج عمليٌّ وواقعيٌّ ومتدرّج ينطلق من الموجُود بآتّجاه المنشود، دون قفز في المجهول أو حرق للمراحل، ففي حالتنا التّونسيّة، نعتزم إصدارَ كُتيّب يضمّ رؤيتنا البرنامجيّة للمسارات الواجب آتّباعُها على المستوى السياسي والاقتصادي – الاجتماعي والثقافي والبيئي، وإننّا نؤمن بأنّ أيّ تغيير حقيقيّ في البلاد يجب أن يقومَ على تنميّة مستندة على الحقوق (développement basé sur les droits) فلا تنمية دون احترام الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والسّياسية والثّقافية المكفولة بالمواثيق الدّولية، سواء لهذا الجيل أو للأجيال القادمة.
فمتى ومن داخل أيّ ظروف انطلقت مبادرة "جيل جديد" ؟
لقد بدأت ملامح حركتنا بالتشكّل تدريجيّا داخل أسوار الجامعة منذ موفى سنة 2009، في ظرفية سياسية ضاغطة وبيئة اقتصادية – اجتماعية مأزومة ومُنذرة بالتّفجُّر، ومشهد ثقافي يتحرّكَ وفقَ آلة التّوجيه المركزي المُشبَعة بالإكراه والتسلّط. فكان سياقًا سمته البارزة، مزيدُ آنخرام ميزان القوى بين السلطة وأجهزتها من جهة وبين المجتمع وقواه الحيّة من جهة أخرى :
فقد أعاد الاستبداد، بعد مهزلة الانتخابات، إنتاج نفسه محافظا على
خصائصه البنيوية القديمة وبتوزيع جديد للـ"غنائم - الفتات" بين شركائه وعرّابيه، منتجا نفس بنية الدكتاتورية ومظاهرها من حيث القمع المنهجي وآليات الإكراه والأجهزة الأمنية السائبة من عقالها وتكميم الأفواه وشراء الذمم وطمس الاختلاف وتزوير إرادة الشعب، ورغم صمود عديد القوى، بأشكال وطرائق مختلفة، السياسية والنقابية والحقوقية والنسويّة، وكذلك عديد الكتّاب والمثقّفين وبعض الجمعيّات المهنيّة والقطاعيّة في وجه هذا التغطرس إلاّ أنّ هذه "المعارضة" ظلّت على "نضاليّتها" ضعيفة وفاقدة للمقدرة والنجاعة، ممزّقة الأوصال وعاجزة عن التّوحد ورصّ صفوفها وتشقّها صراعات ثانويّة وأحيانًا أمراضٌ وعُقَدُ زعامةٍ أجّلت تكاتفها وضيّعت عليها، وعلى البلاد، فُرصًا حقيقيّة في عزل النّظام وإنهاكه وتحقيق الانتقال الدّيمقراطي المنشود.
كما استفحلت الأزمة الاقتصادية وألقت بظلالها على كل مناحي الحياة، وذلك بسبب خيارات النظام التي سقطت عنها ورقة التوت، فقد تراجعت نسب النموّ وتعمّق عجز الميزان التجاري وارتفعت نسبة الدَّين العام وانكمش الاستثمار العام والخاص، كما ظلّ النسيج الإنتاجي معتلاّ وبقي القطاع البنكي يتخبّط تحت وطأة القروض غير المجدية وانعدام الشفافية وتزامن كلّ ذلك مع ضعف مردودية القطاع السياحي والمصاعب التقليديّة للقطاع الفلاحي، وزادَ الفسادُ المُستشري في جسد الإدارة التّونسيّة من إنهاك الاقتصاد المُعتلّ أصلاً، وقد نتج عن كل ذلك عجزٌ مزمنٌ في الميزانية عمّقته تداعيات الأزمة الماليّة العالميّة.
ودفعت، كالعادة، الفئات والشّرائح والجهات الأكثر بُؤسًا وتهميشًا، ضريبة فشل خيارات النّظام الحاكم، فظلّت آفة البطالة تنهش مئات الآلاف من طالبي الشّغل وانهارت المقدرة الشّرائية مقابل ارتفاع أسعار المواد الأساسيّة وتعدّدت حالات الطّرد التعسّفي وتسريح العمّال وغلق المؤسّسات التشغيليّة، وبرزت أشكال التشغيل الهشّ (المناولة ..) والمؤقّت وأنواع التجارة الموازيّة، وبرزت بشكل غير مسبُوق، ظواهر اجتماعية من قبيل العُنف والإدمان والتطّرف والهجرة السرّية والتسوّل وهي مظاهر ناتجة عن عمق الغُبن والتّهميش النّاتج عن فشل توجّهات الدّولة، وقد أفرز هذا الوضع الاجتماعي تعمّق الاستقطاب القائم بين فئات "محضوضة" تعيش الترف والبذخ وبين جماهير المستغَلّينَ المحرومة والمُنهكة، وذلكَ مع تواصل تآكل الطبقة الوسطى.
أمّا على المُستوى الثّقافي، فقد سوّقت السّلطة وشجّعت ونشرت، منذ مطلع التّسعينات ثقافة استهلاكية بهدف إلهاء النّاس (والشّباب بالأخصّ) عن السّياسة والشّأن العام عُمومًا، فعملت على إنتاج شباب مُخدّر باللّهو والحفلات والرّياضة، غير مُسيّس وغير معني بها أصلاً، وحشدت من أجل ذلكَ آلتها الدّعائية مُتبنيّة خيارات ثقافيّة وتربويّة (بمعناها العام) صيّرت في النهاية المُجتمع سُوقًا يُقدّس الرّبحَ والمنفعة الشّخصيّة ويحتقرُ الشّأنَ العام، حيثُ تتسيّدُ السّلعُ و"تتَسلعنُ" قيمُ العلم والعَمل والجمال في تناغُم مع النّسخة الثقافيّة النيُوليبراليّة التي تُهيّج المُتعة والنّزوة وتُشوّه الوعي وتزدري عزّة الإنسان وكرامته. ولكنَّ هذه المقاربة في "هندسة" الثقافة والهويّة التي عبثت بـ"كيمياء" الشّخصيّة التّونسيّة لم تُؤدّ إلى الشّاب المُوافق الصّامت المُبتسم أي "الشّاب – النّمُوذج" الذي راهنت على إنتاجه آلة التّوجيه المركزي للثّقافة، بل أدّت إلى تبنّي شرائح شبابيّة واسعة لثقافات مُضادّة أو/و فرعيّة للتّعبير من خلالها عن ذاتها و"مواجهة" المجتمع الذي فشل في استيعابها، كان من بين نتائجها، على سبيل المثال، أحداثُ سليمان 2006.
وواقع الأمر أنّ الأزمة الثّقافية، ليست إلاَّ وجها من وجُوه الاستبداد الذي
شلَّ وعطّلَ مكامن الإبداع والبحث والحرّيات وأعاقَ النّخبة الثّقافيّة الحقيقيّة عن أداء دورها في نشر الوعي النّقدي الفنّي والجمالي، ممّا جعلَ المجتمع "فاقدًا للمناعة" تخترقهُ رسائلُ عديدة بمضامينَ "استهلاكية" أو "مُغتربة في الآخر" تارةً و"سلفيّة" أو "مغتربة في الماضي" تارةً أخرى.
من داخل هذه البيئة السّياسية والاقتصادية – الاجتماعية والثقافيّة، الموسومة بتواصل تغوّل الدّولة على المجتمع والحزب الحاكم على الحياة السّياسية، بدأنا بالتحرّك على مستويين اثنين، الأوّل وهو مستوى نظري - فكري، حيثُ باشرنَا البحث في ما أسميناه "العمق التّاريخي للأزمة" أي جُذورَ هذا الحاضر - بمظاهره المختلفة - الذي نعيشُ، تاريخهُ وكيفيّة تطوّر وتأثير الأحداث فيه وأسباب تشكّله بالطريقة التي انتهى إليها، وكيفَ تطوّرت الأمور وماهي أدوارُ المسؤوليّة وأيُّ الأطراف الدّاخليّة والخارجيّة أثّرت فيه وإلى أيّ حدّ كانَ ذلكَ ووفقَ أيّ اعتبارات ومصالح ورهانات ...
وقد نظرنا إلى المسائل من زاوية الحركة الطلاّبية وتأثّرها بهذا الواقع وإكراهاته، فالجامعة عمومًا مجتمع مُصغّر تتمظهر وتنعكسُ داخله تناقضات المجتمع.
وفي الحقيقة، لقد كان الغالب على المشهد السياسي الطلاّبي، من ناحية إنتاج الأفكار والنّقاش وتطوير المضامين، حالة من الفقر المدقع، فالجيل الطلاّبي الذي عشنا معه كان جيلاً مُستلبًا في الماضي، يستهلك النّصوص القديمة "المرجعيّة" و"المُؤسّسة" دون قدرة على نقدها وتمحيصها، بل وأحيانًا دونَ القدرة على فهمها أصلا. وقد أثّر ذلكَ أيّما تأثير على الحركة الطلاّبية التي أصبحت تعاني – علاوة على القمع والتشرذم الذّاتي – أزمة حقيقيّة في الكوادر والكفاءات الفكريّة بالخصُوص.
إنّه جيل يُعاني مصاعبَ عديدة، أبرزها، في هذا الصدد، هو منطق "العقول المستعارة" الذي يُفكّر به، فهو جيل طُلاّبي لم يصنع تجربته بقدر ما تواصلت تجاربُ الآخرينَ فيه، يستعيرُ من "القُدماء" عقولهم للتّفكير بها، أو بالأحرى يسلبهم هؤلاء عقولهم ليفكّرون عوضًا عنهم.
ولذلك بادرنا، وقد كنّا ضحايا هذا الواقع، إلى محاولة "حرث الأرض" قبل زراعتها، أي الاشتغال على مسائل الفكر قبل التقدّم في العمل، وإن ليس بشكل ميكانيكيّ ولكن كان ضروريّا على الأقلّ القيامُ بـ"عصف ذهني" لأبرز المفاهيم والمدارس والمناهج والنّظريات، فباشرنا، مع بعض الأصدقاء تشكيل "الهيئة التأسيسية لرابطة النّوادي الثّقافية بالجامعة" وأصدرنا بلاغ تأسيسها، بعد سلسلة من المشاورات وورشات العمل، في 27 جويليّة 2010، حتّى تحتضنَ مع المجلّة التي اعتزمنا إصدارها، المنبر الحواريّ والفكريّ ويُنظّم داخلها البحثُ والتفكير.
أمّا المستوى الثّاني فهو مستوى عملي – ميداني، حيث ناضلنا، داخل الجامعة كتركيبة طلاّبية مستقلّة، وحاولنا تجنّب الوقوع في "الإعاقات الذّاتية" التي تحول دون جماهيريّة ومصداقيّة مكوّنات الحركة الطلاّبية، والتي أصدرنا حولها أولى نصوصنا وكان بعنوان "الحركة الطلاّبية التّونسية – وضعيّة غير طبيعيّة داخل أزمة عامّة"، وبعيدًا عن منطق الرّضا عن الذّات وتعداد "المعارك"، فقد توفّقنا، رغمَ كلّ الصّعوبات الذّاتية والموضوعيّة، في البروز كذوات مناضلة وكمجموعة كفاحيّة تحضى بالاحترام والإعجاب، وهو ما دفعنا لمزيد تطوير أفكارنا المشتركة، فأصدرنا تباعًا، وثيقة تعريفيّة تُجمل أبرز منطلقاتنا النّظريّة وعناصر هويّتنا المتفرّدة، ونصّان في شكل دراستان عن "مشروع إمد وخوصصة الجامعة وتهميش الإنسانيات .. أيُّ بديل ؟ " وعن " الشّباب التّونسي ومنظومة الحماية الإجتماعيّة (الصّحة، التشغيل، التعليم، التّرفيه ..)" وسوف نُفرج في قادم الأيّام عن هذه الوثائق في كتيّب ثان (مع كتيّب التصوّرات البرنامجيّة) لتعميم الفائدة وإثراء المدوّنة الشبابيّة والطُلاّبية بمراجع نعتبرها قيّمة وذات أهمّية.
إنّ المأمول اليوم، والضروريّ، هو تغيير الثقافة السياسية بالانتقال من التلقين والإكراه إلى الحوار والاختيار الحر، وتطوير العقد الاجتماعي السياسي من الزبونية (clientélisme) والأبوية إلى المشاركة الحرة والمسؤولة، وذلكَ ما سيعزّز التقدّم نحو تجذير مكاسب الثورة، وهذا جزء مما نذرنا أنفسنا من أجله، فالنضال غاية في ذاته وفي نهاياته، وإنّه لنظر وعمل كما يقول ابن خلدون.
لن تكون "حركة جيل جديد" مجرّد رقم يضاف إلى المعادلة السياسية بالبلاد، بل ستمثل – بجوهرها المُجدّد وأساليب عملها غير النّمطية وكفاحية مناضلاتها ومناضليها وبرنامجها الواقعي والثّوري في آن، نقلة جذرية في حركة الشباب التونسي، وإضافة نوعية للمشهد الفكري والسياسي بالبلاد. وإنّنا عازمون، بالصّدق والمبدئيّة التي عهدتموها فينا، على تفعيل ما طرحناه من أفكار على قاعدة ما راكمناه من نضال في السّنوات الفارطة.