08/01/2026
الخط العربي المغربي
ولم أر باكياً أحسن تبسما من القلم !! - جعفر البرمكي -
طلبت مني أسرة الثقافة أن أرسم عنواناً لمجلتها هذه، ففعلت غير وانٍ ولا كسل، رغم كثرة شغلي وخشونة يدي عن مطاوعة القلم بسبب فلاحة الأرض التي جعلتها شغلا لي منذ سنتين والتي آنست منها ومن القرب من الطبيعة لذة تعادل لذة الأدب والاحتراف به.
ولو أن أسرة الثقافة اكتفت بي كرسام لها أو خطاط لهان علي الأمر، ولكنها عادت فطلبت منى أن أكتب شيئا في هذه المجلة وجعلت لي الحرية في اختيار الموضوع.
إن أسرة الثقافة عزيز علي أفرادها لأنهم أصدقائي، ولأنهم من خيرة الشباب المغربي العاملين جهدهم في خدمة بلادهم ولغتهم، فيعز علي أن لا ألبي نداءهم وهم أكرم من يجاب، فليكن حديثي إذن إلى القراء في هذه المرة عن الخط العربي المغربي، فطالما استلفت نظري هذا التشبه بالخط المصري الذي أصبح يتكلفه جل شباننا، كما تكلفوا من قبله الغناء المصري الذي لا تكاد تسمع غيره، ولازالوا يتكلفون ويتشبهون بكل ما هو مصري أو له علاقة بمصر.
إن حضارة مصر وتقدمها عما سواها من البلاد العربية في ميادين شتى شيء لا ينكر، ولكن لا يلزم منه أن نصبح ونمسي مصريين في غنائنا ولباسنا وخطنا وعاداتنا، فللمغرب أيضا حضارته وثقافته وطابعه الخاص به والخالص له، وإنما الجدير بنا أن نقتدي بمصر في الاعتزاز بتاريخ البلاد، وإحياء ما درس منه، وأن نطلع على ما ظهر منه وما بطن، ونبتكر ما يلائم عصرنا الحاضر وأذواقنا الجديدة.
فلماذا نرى جل شباننا نسوا أن لهم خطاً مغربياً له تاريخه وجماله، ومباديه وأصوله، وأعرضوا عنه إلى خط خليط لا هو بالتونسي ولا بالمصري ولا بالسوري ؟
ألم يروا ما كتبه آباؤهم وتفننوا في إبداعه، وبرعوا في إتقانه بين طيات الكتب والمصاحف، وعلى جدران القصور والمتاحف ؟
لو قدر لهم مثلي أن يقفوا في بعض الخزانات الكبرى على كتب خطية مغربية، أو رأوا من بينها الكتب الست كلها بخط واحد آية في الجمال، نمقته يد الفقيه أبي العباس التازي مراقب الأحباس بفاس سابقاً، أو رأوا غير ذلك مما طرزته أنامل زعماء الخط المشهورين بفاس ومكناس وحبكته أيديهم، مثل السادة السوديين وغيرهم ممن اشتهروا بالجودة في الخط والاتقان في الرسم، لو اهتدوا إلى ذلك وتمتعوا فيه لما عدلوا عن الخط المغربي إلى سواه، وتتمنوا معي أن يعطي من العناية ما يستحق، حتى تصنع به الحروف السلكية، وتؤسس له المطابع العصرية، ويظهر في عالم الخطوط العربية بالمظهر اللائق به وبسمعة الفنون الجميلة في المغرب.
فللخط المغربي أشكال وأنواع كافية للتفنن في الطبع والنشر به، سيما إذا ادخلت عليه التحسينات التي تلبسه حلة العصر الجديد، ولكن دون أن تفقده شخصيته وملامحه، فالخط المغربي في نظري يلزم أن يبقى مغربياً، لتناسبه وتلاؤمه مع كل ما هو مغربي من ملبس ومطعم وهيأة وصناعة واخلاق وعادة، ويجب أن نشيد به ونعمل لتقدمه وتطوره وإحيائه هذه الحياة التي بدأت تبشر بدبيبها وسريانها في صنائعنا ومنتوجاتنا وأفكارنا.
والخط المغربي يلزم أن يبقى مغربياً ما دام المغرب معروفاً بجمال الزليج في تزويقه ونقش الجبص في تنميقه وبالقرمود الأخضر في تنسيقه وماء الفوارات في تدفيقه، وما بقيت الجلابة والكساء والحياء في النساء، ومادامت فاس بجناتها وقصورها وشموسها وبدورها، والرباط بحسانه وشالته ومرسى الفلك وبحارته والحمراء بنخيلها وكتبيتها، وجامع الفناء وضجتها.
وللخط المغربي أنواع منها المبسوط : وهو أول ما يتعلم عندنا في الكتاتيب، وسمي بذلك لبساطته وسهولة قراءته، وبه تطبع المصاحف في المطابع الحجرية و تنسخ به كتب الصلوات والأدعية.
ومنها الخط المجوهر : وهو ما تحرر به الرسائل الخصوصية والعمومية، وتكتب به الظهائر الملوكية، وهو أكثر خطوطنا استعمالا و به طبعت الكتب بالمطبعة المحمدية أيام السلطان سيدي محمد بن عبد الرحمن وانتشرت وعم النفع بها، مثل شرح الزبيدي على الاحياء، والخرشي على المختصر، وميارة على ابن عاشر وغير ما ذكر ؛ وسمي بالمجوهر نسبة لعقد الجوهر الجماله وتناسب حروفه وتناسق سطوره.
ومنها الخط المشرقي : وهو ما تزخرف به العناوين وتكتب به التراجم، ويرسم عادة بحروف غليظة متداخلة بعضها في بعض، وكثيراً ما يكتب بماء الذهب ويزوق ويشجر بألوان وأشكال مختلفة مما يبرز به في في حلة تفتن الناظرين، وسمي بالمشرقي لأن أصله من بلاد المشرق ولكن مغربته يد المبدعين المتقدمين وتصرفت فيه أذواقهم.
ومنها الخط الكوفي : وهو ما نجده مكتوبا على رق الغزال في المصاحق والكتب القديمة، ومنقوشاً في الحجر على أبواب المدن والقصبات، ومحفوراً في الجبس على جدران المدارس الأنيقة والمساجد العتيقة، وقبور الملوك والأمراء وأضرحة الأولياء والصلحاء، ورثناه في جملة ما ورثنا من الحضارة الأندلسية التي لازالت نغماتها تتردد في آذاننا، وروحها متجلية في سائر شؤوننا، وهو خط هندسي بديع له تاريخه الذي تطور فيه منذ بدايته وتنوع به في مراحل حياته حتى كاد يبلغ درجة الكمال، وقد قل استعماله عندنا وأهملناه في جملة ما أهملناه حتى أصبح - وياللأسف- مثل الطلاسم والرموز لا يقرأه إلا من رحم ربك.
ولقائل أن يقول : كيف السبيل إلى تعلم الخط وتجويده ؛ وكيف يمكننا ذلك وجل أشياخنا الذين نتعلم عليهم الخط والكتابة في بداية قراءتنا. والذين يسطرون ويكتبون لنا على الألواح بأذناب أقلامهم. إنما هم في الغالب من أولئك الطلبة الذين يقرؤون على الجنائز ولم يحفظوا غير القرآن. ولم يكتبوا على غير الألواح الخشبية بأقلامهم القصبية، أو من البدو الذين تصحبهم خشونة البادية طول حياتهم، وتتجلى في أخلاقهم وكتابتهم.
نعم إنني مررت في ذلك السبيل، وعلمت منه الدبير والقبيل، بيد أنه لم يمنعني ذلك من تحسين خطي وتعلمه بالإعراض عن خط معلمي الأول والاقبال على غيره من الخطوط الجميلة، وكان أول عهدي بذلك أن أطلعني والدي حفظه الله على رسالة وردت عليه من فاس بخط جميل، وكنا إذ ذاك قاطنين بطنجة، وأمرني أن أنسخ عن منوالها وأنقل عدة نسخ منها ومن أمثالها ؛ ففعلت ممتثلا أمر والدي وصرت كلما وردت عليه رسالة بخط جميل سواء من فاس أو من مصر أو تونس تسارعت إليه. ولم يكد يفرغ من قراءتها حتى أخطفها من يده وأمضي بها إلى حيث أجتهد في نقلها وفهمها وحلها حتى حذقت في كتابة سائر الخطوط العربية.
ولعل أحسن وسيلة لمن أراد أن يتعلم الخط أو يعلمه هو ما ذكرته وما سأذكره، ذلك أنني لما كنت قاطناً بالجديدة حوالي عام 1346 هجرية صحبت ولدي يوماً إلى المدرسة، فلاحظت أن خط جل تلامذتها رديء لا يكاد يقرأ، وكلمت في ذلك أستاذهم الصديق سيدي الحطاب فاقترح علي أن أسمح بوقت قصير في بعض أيام الأسبوع لتعليمهم فقبلت اقتراحه، وفعلت مدة كنت أكتب فيها لكل واحد من التلاميذ السطر والسطرين في أعلى ورقة دفتره، ثم أكتب لهم مثالا كبيراً على اللوح الأسود ليكتبوا مثله ويتعلموا منه تقويم خطوطهم، كل ذلك حرصاً على تعميم النفع، وتعليم الخط الذي لا تحصى فوائده.
وإني ما تقاضيت عمري على الخط أجرة ولا اتخذته حرفة ومهنة، وإنما كتبت ورسمت لمن له على حق صحبة أو كبير منة، فمن ذلك أني أهديت مرة لصديقي عبد الكبير الفاسي بيتاً من الشعر حفظته من بعض المجلات وكتبته بخط ابتكرته، أوحت به صداقته ومحبته كل كلمة منه ينطق خطها بمعناها حتى تكاد تفهم معناه قبل قراءته نصه :
ما التقينا مرة إلا اقتسمنا بيننا عذب التلاقي وعذابه
وليس في استطاعتي ولا في استطاعة حروف (الثقافة) السلكية أن تقدمه للقراء على صورته المذكورة الخروج حروفه وتمردها عن قوانين حروف الطباعة المتداولة، ولهذا البيت وسبب إهدائه قصة لكم أن تسألوا عنها الصديق المذكور إن شئتم، أما أنا فقد نذرت نذراً أن لا يسمعها مني بعده غير ضميري.
وأما ما زعمه بعضهم من أن خطوط العلماء تكون عادة رديئة لاشتغالهم عنه بتعلم العلم - كما يعتقد الأوربيون في خطوط أطبائهم . فلا معنى له، لأن من العلماء من علم الخط وتعلمه وأجاد فيه، كما أن منهم من خطه يشوه بنات أفكاره وينغص قارئه عن فهم أسراره، ومن هؤلاء وأولائك عدد لا يحصى لا أجرؤ على الاستشهاد بهم هنا احتراما لهم وخوفاً من جرح عواطفهم وحتى لا نومن ببعض ونكفر ببعض، فقد كنت وقفت في مجلة المرشد العراقية على أن فراسة الخط تنم على أخلاق كاتبه، فالخط الجميل مثلا دليل على حسن الذوق، أما القبيح فيدل على الاهمال والتقصير، ووضع الحروف في أماكنها دليل على قوة الإرادة والحزم والسطر الجالس ينبيء بحسن الإرادة وأصالة الرأي، والسطر النازل يدل على ركاكة الفكر وضعف الارادة، والسطر الصاعد دليل على التسرع، والكلمات الكبيرة المتفرقة دليل على التبذير وسوء الإرادة والصغيرة جدا المتداخلة تنم على الرياء والخبث، أما المعتدلة فهي عنوان الشهامة وكرم الأخلاق.
قال بعض المفسرين في قوله تعالى : "يزيد في الخلق ما يشاء" إنه الخط الحسن، وبعضهم في قوله تعالى : "أو اثارة من علم" إنه الخط الحسن.
وورد في الحديث الخط الحسن يزيد الحق وضوحاً !
وروى أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ضرب كاتباً كتب بين يديه بسم الله الرحمن الرحيم ولم يبين السين، فلما خرج سئل عن سبب ضربه فقال : في سين ! فصارت مثلا يضرب للأمر السهل.
ونظر جفعر البرمكي إلى خط حسن فقال : لم أر باكياً أحسن تبسما من القلم !
ومن كلام العرب : الخط أحد اللسانين وحسنه إحدى الفصاحتين !
وقال المبرد : رداءة الخط زمانة الأدب (أي عاهته).
وقل من لم يحفظ هذين البيتين :
عليك بحسن الخط يا ذا التأدب ولازم له التعليم في كل مكتب
فإن كنت ذا مال فخطك زينة وإن كنت ذا فقر فأفضل مكسب
ويضرب المثل في حسن الخط بابن مقلة، قال بعض الشعراء مورياً به :
سبق الدمع بالمسير المطايا اذ نوى من أحب عني نقله
وأجاد السطور في صفحة الخد ولم لا يجيد وهو ابن مقله.
ورثاه آخر بعد موته بهذين البيتين وأجاد :
استشعر الكتاب فقدك سالفاً وقضت عليك بذلك الأيام
فلذاك سودت الدواة كتابة أسفاً عليك وشقت الأقلام.
وقد وقفت على جملة من خطوط الأئمة ومشاهير العلماء مثل الامام الغزالي والامام ابن عربي وغيرهما في خزانة مولانا الشيخ عبد الحي الغنية عن الشهرة بما احتوت عليه من الذخائر والكنوز وفكرت في جمعها والزيادة عليها إن أمكن التقاطها بالة التصوير وكتب تحت كل صورة خط منها ما يتيسر من ترجمة صاحبه، وكلمت الشيخ في ذلك فاستحسن الفكرة وواعد بالمساعدة والمعونة الأمر الذي زادني تشجيعاً وتنشيطاً، وعسى أن تتهيأ الاسباب لاخراج ما ذكرت إلى طور التنفيذ فإن الأمور مرهونة بأوقاتها.
وقد حان الوقت الذي أرجيء فيه الزيادة في هذا الحديث إلى فرصة أخرى، فإني لا أظن أن هذا العدد من المجلة يفسح المقالي أكثر من هذا المكان، وستصلني ولاريب آراء القراء فيما كتبت وفي الموضوع الذي اخترت، فإن ظفرت بقليل أو كثير من رضاهم زدتهم منه والا فسأنتقل بهم إلى غيره، وإلى الملتقى إن شاء الله تعالى.
مقال الفنان عبد الكريم سكيرج عن نشاطه وإبداعه في ميادين الخط المغربي
مقتطف من تاريخ الوراقة المغربية (صناعة المخطوط المغربي من العصر الوسيط إلى الفترة المعاصرة)، للعلامة الفقيه سيدي محمد عبد الهادي المَنُّوني رحمه الله، مؤرِّخ مغربي رائد في تاريخ المغرب وحضارته، وخبير في المخطوطات والوثائق ورائد في البحث المصدري.