الأنيس في الزخرفة المغربية

الأنيس في الزخرفة المغربية التذهيب الزخرفة على الورق زخارف معمارية

الخط العربي المغربيولم أر باكياً أحسن تبسما من القلم !! - جعفر البرمكي -طلبت مني أسرة الثقافة أن أرسم عنواناً لمجلتها هذ...
08/01/2026

الخط العربي المغربي
ولم أر باكياً أحسن تبسما من القلم !! - جعفر البرمكي -
طلبت مني أسرة الثقافة أن أرسم عنواناً لمجلتها هذه، ففعلت غير وانٍ ولا كسل، رغم كثرة شغلي وخشونة يدي عن مطاوعة القلم بسبب فلاحة الأرض التي جعلتها شغلا لي منذ سنتين والتي آنست منها ومن القرب من الطبيعة لذة تعادل لذة الأدب والاحتراف به.
ولو أن أسرة الثقافة اكتفت بي كرسام لها أو خطاط لهان علي الأمر، ولكنها عادت فطلبت منى أن أكتب شيئا في هذه المجلة وجعلت لي الحرية في اختيار الموضوع.
إن أسرة الثقافة عزيز علي أفرادها لأنهم أصدقائي، ولأنهم من خيرة الشباب المغربي العاملين جهدهم في خدمة بلادهم ولغتهم، فيعز علي أن لا ألبي نداءهم وهم أكرم من يجاب، فليكن حديثي إذن إلى القراء في هذه المرة عن الخط العربي المغربي، فطالما استلفت نظري هذا التشبه بالخط المصري الذي أصبح يتكلفه جل شباننا، كما تكلفوا من قبله الغناء المصري الذي لا تكاد تسمع غيره، ولازالوا يتكلفون ويتشبهون بكل ما هو مصري أو له علاقة بمصر.
إن حضارة مصر وتقدمها عما سواها من البلاد العربية في ميادين شتى شيء لا ينكر، ولكن لا يلزم منه أن نصبح ونمسي مصريين في غنائنا ولباسنا وخطنا وعاداتنا، فللمغرب أيضا حضارته وثقافته وطابعه الخاص به والخالص له، وإنما الجدير بنا أن نقتدي بمصر في الاعتزاز بتاريخ البلاد، وإحياء ما درس منه، وأن نطلع على ما ظهر منه وما بطن، ونبتكر ما يلائم عصرنا الحاضر وأذواقنا الجديدة.
فلماذا نرى جل شباننا نسوا أن لهم خطاً مغربياً له تاريخه وجماله، ومباديه وأصوله، وأعرضوا عنه إلى خط خليط لا هو بالتونسي ولا بالمصري ولا بالسوري ؟
ألم يروا ما كتبه آباؤهم وتفننوا في إبداعه، وبرعوا في إتقانه بين طيات الكتب والمصاحف، وعلى جدران القصور والمتاحف ؟
لو قدر لهم مثلي أن يقفوا في بعض الخزانات الكبرى على كتب خطية مغربية، أو رأوا من بينها الكتب الست كلها بخط واحد آية في الجمال، نمقته يد الفقيه أبي العباس التازي مراقب الأحباس بفاس سابقاً، أو رأوا غير ذلك مما طرزته أنامل زعماء الخط المشهورين بفاس ومكناس وحبكته أيديهم، مثل السادة السوديين وغيرهم ممن اشتهروا بالجودة في الخط والاتقان في الرسم، لو اهتدوا إلى ذلك وتمتعوا فيه لما عدلوا عن الخط المغربي إلى سواه، وتتمنوا معي أن يعطي من العناية ما يستحق، حتى تصنع به الحروف السلكية، وتؤسس له المطابع العصرية، ويظهر في عالم الخطوط العربية بالمظهر اللائق به وبسمعة الفنون الجميلة في المغرب.
فللخط المغربي أشكال وأنواع كافية للتفنن في الطبع والنشر به، سيما إذا ادخلت عليه التحسينات التي تلبسه حلة العصر الجديد، ولكن دون أن تفقده شخصيته وملامحه، فالخط المغربي في نظري يلزم أن يبقى مغربياً، لتناسبه وتلاؤمه مع كل ما هو مغربي من ملبس ومطعم وهيأة وصناعة واخلاق وعادة، ويجب أن نشيد به ونعمل لتقدمه وتطوره وإحيائه هذه الحياة التي بدأت تبشر بدبيبها وسريانها في صنائعنا ومنتوجاتنا وأفكارنا.
والخط المغربي يلزم أن يبقى مغربياً ما دام المغرب معروفاً بجمال الزليج في تزويقه ونقش الجبص في تنميقه وبالقرمود الأخضر في تنسيقه وماء الفوارات في تدفيقه، وما بقيت الجلابة والكساء والحياء في النساء، ومادامت فاس بجناتها وقصورها وشموسها وبدورها، والرباط بحسانه وشالته ومرسى الفلك وبحارته والحمراء بنخيلها وكتبيتها، وجامع الفناء وضجتها.
وللخط المغربي أنواع منها المبسوط : وهو أول ما يتعلم عندنا في الكتاتيب، وسمي بذلك لبساطته وسهولة قراءته، وبه تطبع المصاحف في المطابع الحجرية و تنسخ به كتب الصلوات والأدعية.
ومنها الخط المجوهر : وهو ما تحرر به الرسائل الخصوصية والعمومية، وتكتب به الظهائر الملوكية، وهو أكثر خطوطنا استعمالا و به طبعت الكتب بالمطبعة المحمدية أيام السلطان سيدي محمد بن عبد الرحمن وانتشرت وعم النفع بها، مثل شرح الزبيدي على الاحياء، والخرشي على المختصر، وميارة على ابن عاشر وغير ما ذكر ؛ وسمي بالمجوهر نسبة لعقد الجوهر الجماله وتناسب حروفه وتناسق سطوره.
ومنها الخط المشرقي : وهو ما تزخرف به العناوين وتكتب به التراجم، ويرسم عادة بحروف غليظة متداخلة بعضها في بعض، وكثيراً ما يكتب بماء الذهب ويزوق ويشجر بألوان وأشكال مختلفة مما يبرز به في في حلة تفتن الناظرين، وسمي بالمشرقي لأن أصله من بلاد المشرق ولكن مغربته يد المبدعين المتقدمين وتصرفت فيه أذواقهم.
ومنها الخط الكوفي : وهو ما نجده مكتوبا على رق الغزال في المصاحق والكتب القديمة، ومنقوشاً في الحجر على أبواب المدن والقصبات، ومحفوراً في الجبس على جدران المدارس الأنيقة والمساجد العتيقة، وقبور الملوك والأمراء وأضرحة الأولياء والصلحاء، ورثناه في جملة ما ورثنا من الحضارة الأندلسية التي لازالت نغماتها تتردد في آذاننا، وروحها متجلية في سائر شؤوننا، وهو خط هندسي بديع له تاريخه الذي تطور فيه منذ بدايته وتنوع به في مراحل حياته حتى كاد يبلغ درجة الكمال، وقد قل استعماله عندنا وأهملناه في جملة ما أهملناه حتى أصبح - وياللأسف- مثل الطلاسم والرموز لا يقرأه إلا من رحم ربك.
ولقائل أن يقول : كيف السبيل إلى تعلم الخط وتجويده ؛ وكيف يمكننا ذلك وجل أشياخنا الذين نتعلم عليهم الخط والكتابة في بداية قراءتنا. والذين يسطرون ويكتبون لنا على الألواح بأذناب أقلامهم. إنما هم في الغالب من أولئك الطلبة الذين يقرؤون على الجنائز ولم يحفظوا غير القرآن. ولم يكتبوا على غير الألواح الخشبية بأقلامهم القصبية، أو من البدو الذين تصحبهم خشونة البادية طول حياتهم، وتتجلى في أخلاقهم وكتابتهم.
نعم إنني مررت في ذلك السبيل، وعلمت منه الدبير والقبيل، بيد أنه لم يمنعني ذلك من تحسين خطي وتعلمه بالإعراض عن خط معلمي الأول والاقبال على غيره من الخطوط الجميلة، وكان أول عهدي بذلك أن أطلعني والدي حفظه الله على رسالة وردت عليه من فاس بخط جميل، وكنا إذ ذاك قاطنين بطنجة، وأمرني أن أنسخ عن منوالها وأنقل عدة نسخ منها ومن أمثالها ؛ ففعلت ممتثلا أمر والدي وصرت كلما وردت عليه رسالة بخط جميل سواء من فاس أو من مصر أو تونس تسارعت إليه. ولم يكد يفرغ من قراءتها حتى أخطفها من يده وأمضي بها إلى حيث أجتهد في نقلها وفهمها وحلها حتى حذقت في كتابة سائر الخطوط العربية.
ولعل أحسن وسيلة لمن أراد أن يتعلم الخط أو يعلمه هو ما ذكرته وما سأذكره، ذلك أنني لما كنت قاطناً بالجديدة حوالي عام 1346 هجرية صحبت ولدي يوماً إلى المدرسة، فلاحظت أن خط جل تلامذتها رديء لا يكاد يقرأ، وكلمت في ذلك أستاذهم الصديق سيدي الحطاب فاقترح علي أن أسمح بوقت قصير في بعض أيام الأسبوع لتعليمهم فقبلت اقتراحه، وفعلت مدة كنت أكتب فيها لكل واحد من التلاميذ السطر والسطرين في أعلى ورقة دفتره، ثم أكتب لهم مثالا كبيراً على اللوح الأسود ليكتبوا مثله ويتعلموا منه تقويم خطوطهم، كل ذلك حرصاً على تعميم النفع، وتعليم الخط الذي لا تحصى فوائده.
وإني ما تقاضيت عمري على الخط أجرة ولا اتخذته حرفة ومهنة، وإنما كتبت ورسمت لمن له على حق صحبة أو كبير منة، فمن ذلك أني أهديت مرة لصديقي عبد الكبير الفاسي بيتاً من الشعر حفظته من بعض المجلات وكتبته بخط ابتكرته، أوحت به صداقته ومحبته كل كلمة منه ينطق خطها بمعناها حتى تكاد تفهم معناه قبل قراءته نصه :
ما التقينا مرة إلا اقتسمنا بيننا عذب التلاقي وعذابه
وليس في استطاعتي ولا في استطاعة حروف (الثقافة) السلكية أن تقدمه للقراء على صورته المذكورة الخروج حروفه وتمردها عن قوانين حروف الطباعة المتداولة، ولهذا البيت وسبب إهدائه قصة لكم أن تسألوا عنها الصديق المذكور إن شئتم، أما أنا فقد نذرت نذراً أن لا يسمعها مني بعده غير ضميري.
وأما ما زعمه بعضهم من أن خطوط العلماء تكون عادة رديئة لاشتغالهم عنه بتعلم العلم - كما يعتقد الأوربيون في خطوط أطبائهم . فلا معنى له، لأن من العلماء من علم الخط وتعلمه وأجاد فيه، كما أن منهم من خطه يشوه بنات أفكاره وينغص قارئه عن فهم أسراره، ومن هؤلاء وأولائك عدد لا يحصى لا أجرؤ على الاستشهاد بهم هنا احتراما لهم وخوفاً من جرح عواطفهم وحتى لا نومن ببعض ونكفر ببعض، فقد كنت وقفت في مجلة المرشد العراقية على أن فراسة الخط تنم على أخلاق كاتبه، فالخط الجميل مثلا دليل على حسن الذوق، أما القبيح فيدل على الاهمال والتقصير، ووضع الحروف في أماكنها دليل على قوة الإرادة والحزم والسطر الجالس ينبيء بحسن الإرادة وأصالة الرأي، والسطر النازل يدل على ركاكة الفكر وضعف الارادة، والسطر الصاعد دليل على التسرع، والكلمات الكبيرة المتفرقة دليل على التبذير وسوء الإرادة والصغيرة جدا المتداخلة تنم على الرياء والخبث، أما المعتدلة فهي عنوان الشهامة وكرم الأخلاق.
قال بعض المفسرين في قوله تعالى : "يزيد في الخلق ما يشاء" إنه الخط الحسن، وبعضهم في قوله تعالى : "أو اثارة من علم" إنه الخط الحسن.
وورد في الحديث الخط الحسن يزيد الحق وضوحاً !
وروى أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ضرب كاتباً كتب بين يديه بسم الله الرحمن الرحيم ولم يبين السين، فلما خرج سئل عن سبب ضربه فقال : في سين ! فصارت مثلا يضرب للأمر السهل.
ونظر جفعر البرمكي إلى خط حسن فقال : لم أر باكياً أحسن تبسما من القلم !
ومن كلام العرب : الخط أحد اللسانين وحسنه إحدى الفصاحتين !
وقال المبرد : رداءة الخط زمانة الأدب (أي عاهته).
وقل من لم يحفظ هذين البيتين :
عليك بحسن الخط يا ذا التأدب ولازم له التعليم في كل مكتب
فإن كنت ذا مال فخطك زينة وإن كنت ذا فقر فأفضل مكسب
ويضرب المثل في حسن الخط بابن مقلة، قال بعض الشعراء مورياً به :
سبق الدمع بالمسير المطايا اذ نوى من أحب عني نقله
وأجاد السطور في صفحة الخد ولم لا يجيد وهو ابن مقله.
ورثاه آخر بعد موته بهذين البيتين وأجاد :
استشعر الكتاب فقدك سالفاً وقضت عليك بذلك الأيام
فلذاك سودت الدواة كتابة أسفاً عليك وشقت الأقلام.
وقد وقفت على جملة من خطوط الأئمة ومشاهير العلماء مثل الامام الغزالي والامام ابن عربي وغيرهما في خزانة مولانا الشيخ عبد الحي الغنية عن الشهرة بما احتوت عليه من الذخائر والكنوز وفكرت في جمعها والزيادة عليها إن أمكن التقاطها بالة التصوير وكتب تحت كل صورة خط منها ما يتيسر من ترجمة صاحبه، وكلمت الشيخ في ذلك فاستحسن الفكرة وواعد بالمساعدة والمعونة الأمر الذي زادني تشجيعاً وتنشيطاً، وعسى أن تتهيأ الاسباب لاخراج ما ذكرت إلى طور التنفيذ فإن الأمور مرهونة بأوقاتها.
وقد حان الوقت الذي أرجيء فيه الزيادة في هذا الحديث إلى فرصة أخرى، فإني لا أظن أن هذا العدد من المجلة يفسح المقالي أكثر من هذا المكان، وستصلني ولاريب آراء القراء فيما كتبت وفي الموضوع الذي اخترت، فإن ظفرت بقليل أو كثير من رضاهم زدتهم منه والا فسأنتقل بهم إلى غيره، وإلى الملتقى إن شاء الله تعالى.
مقال الفنان عبد الكريم سكيرج عن نشاطه وإبداعه في ميادين الخط المغربي
مقتطف من تاريخ الوراقة المغربية (صناعة المخطوط المغربي من العصر الوسيط إلى الفترة المعاصرة)، للعلامة الفقيه سيدي محمد عبد الهادي المَنُّوني رحمه الله، مؤرِّخ مغربي رائد في تاريخ المغرب وحضارته، وخبير في المخطوطات والوثائق ورائد في البحث المصدري.

مقامات التسطير السبع (زخرفة السماوات السبع)حوار المزخرف العريف ابو النعيم رضوان ( ر ) و الفقيه أبو عبد الله بن جعفر زاهد...
15/10/2025

مقامات التسطير السبع (زخرفة السماوات السبع)
حوار المزخرف العريف ابو النعيم رضوان ( ر ) و الفقيه أبو عبد الله بن جعفر زاهد قونجة ( ق )...في سنة 1349 ميلادية.............دخل (الفقيه ابن جعفر) بيت المهندس الواقع بين المدينة التي نشأت في هضبة السبيكة وبين القصر الملكي الجديد قيد البناء.
تعجَّب القونجي حالاً من المشهد في الداخل تعجباً شديداً ( مئات الرسوم والتخطيطات الهندسية من كل الأنواع والأحجام تشغَل الحيطان، ومصطبة طويلة في قاعة واسعة تضيئها شبابيك عالية رقيقة).
*ق- أما زلت، أيها الرفيق المسكين، هائماً في ألاعيب الألوان والأشكال؟‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍!
صاح القونجي بلطف وهو يشاهد مجدداً، بعد مدة تعادل عمراً، ذلك البريق الناجم عن عيني صاحبه في لحظات السعادة والإبداع.
سارع المهندس إلى إظهار تصاميمه الأخيرة للرفيق الضالِّ، سلسلة من النجوم الهندسية تمثل السماوات السبع، المذكورة في الكتاب الكريم، مرسومة لصناعة القبة الخشبية العليا في قاعة عرش مولانا أبي الحجاج يوسف أمير المسلمين.
كان رضوان مهووساً فعلاً بالفكرة! جعل يمدد ورقة بعد أخرى أمام عيني ابن جعفر، واستغرق في الكلام.
*ر- يا أخي الزاهد الحاج، دأبت طوال العمر من أجل استخراج أروع الصور الكامنة في خلق الله عزَّ وجلَّ، وبمقدوري اليوم أن أعلن لك أنني بلغت الغاية التي طالما حلمت بها، لقد ترحَّم الله تعالى علي بمعاني إلهامه الدقيقة، لاحظ! في بدء الأمر، رسمت الأشكال الهندسية لأنجم السماء كلِّها، كادت هذه المهمة أن تودي بحياتي، لمعلِّمينا خبرة طويلة في صناعة الهندسة، ولم يعد الكشف عن تشكيلات هندسية جديدة، معتدلة ومتناسبة وجميلة، أمراً يسيراً على الإطلاق.
*ر- أنظر يا أخي: لأول مرة تجرأت على تخطيط صورة هندسية متكاملة اعتماداً على أنماط نجمية ذات زوايا مختلفة، رسمت أنجماً ذات ستة عشر زاوية متنوعة التصاميم مع أنجم مثمَّنة الزوايا متباينة أشكالها أيضاً لتصوير المقامات النجمية السبع في لوحة سماوية متناسقة وموحَّدة، على ما أعلم، لم يفعل هذا مهندس آخر من قبل، والأهم من ذلك، لاحظْ كيف غيَّرتُ في أركان القبة الأربعة التنظيمَ الهندسي المفروض في علم العدد بهدف صياغة شجرة الكون، التي كان شيخنا أبو بكر محمد الرُّندي يحدِّثنا عنها في المدرسة بخصوص قول الله تعالى: "كشجرة طيبةٍ أصلُها ثابت وفرعُها في السماء تؤتي أُكلَها كلَّ حين بإذن ربِّه" (سورة إبراهيم 24-25).
انه ابتكار من ناحيتي، أعني أنني بذلت قصارى جهدي لدمج شجرة الكون في انسجام تام مع نجوم قبة العرش كافة، هندسةً وتلويناً.
تذكَّر ابن جعفر بحنين تلك الأيام الغابرة، وتمثلت في ذهنه صورة من مخطوطة كانت بحوزة عارف من عُرفاء الفرس لقيه القونجي بدمشق قبل أن يسحق قلبَه شوقُ العودة إلى ما تبقى من الأندلس. ودون أن يسمح رضوان لصاحبه أن يسأله إن كان قد اطَّلع على هذه الصورة المخطوطة عن شجرة طوبى، أو على صورة أخرى من هذا القبيل، أردف المهندس قائلاً :
*ر- المهم يا أخي الكريم، أن مولانا أبا الحجَّاج يوسف إمامٌ صالح، وقد طلب مني اللجوء إلى نصوص الأولياء لبناء قبَّته العليا لتخييل سورة الملك العزيزة تخييلاً جليلاً، إنه صاحب الفكرة، مثلما هو صاحب أعمارنا، نصح أيضاً جلالتُه بتتويج سمائه الخشبية بقبَّة صغيرة خلاصةً عن القبة الكبرى شكلاً ولوناً، وهذا ما عملناه.
*ر- تعال، وأنظر إلى النتيجة، أخذه المهندس إلى الحجرة المجاورة، ولم يستطع ابن جعفر كبت صرخة إعجاب صائته حينما رمق صورة القبة مجسَّدة بكل رونقها في نموذج ورقي لا يبلغ المتر المربع (0.75 / 1.06 م) على منضدة إلى جانب سرير بائد صغير ملقى على الأرض.
*ر- لكلِّ لون سرٌّ سماوي وإشراقيٌّ خاص، تابع المهندس مندفعاً في التفسير، وقد اخترتُ الأبيض والأحمر والأخضر، بتدرُّجاتها النغمية من المنير إلى القاتم، وفقاً لأوصاف أهل الولاية للجنَّة السماوية ومعراج النبي عليه الصلاة والسلام. كما تعلم وتبصر، النور الإلهي يفيض في الكون مضيئاً ومحيياً كل المخلوقات، استخدمت الأبيض الصافي المشرق مرة واحدة، في الوسط وحسب، وآثرنا الأبيض الجوزي لمراكز أنجم المرتبة الثانية تحت قمة العرش السماوي، رمزاً إلى انعكاس النور الإلهي الفائض على الدوام، مراكز النجوم الثانوية تمثل منازل السعداء، وهي بالتالي أقلُّ إضاءة وأضعف إشراقاً من منزلته سبحانه وتعالى، أما أسفاط النجوم الأخرى فقد صبغناها بثلاث نغمات من الأخضر، على غرار ما جاءنا من المتألِّهين عن طبيعة الجنَّة السماوية وصورتها، إنما الخالق جلَّ جلاله كرَّم هذه المواد النفيسة بفضائل النور والكمال والخير والخلود، أنت أعلم مني بأن هؤلاء العلماء أسهبوا في مقارنة منازل الجنَّة السماوية بالأحجار الكريمة، وخصوصاً اليواقيت الصفر والخضر والحمر. النتيجة مذهلة، ألا توافقني؟ ولو رأيت السقف الحقيقي رهن الإتمام...! تصوَّرْ، ضِلع قاعدة القبة المربعة المبنية بالخشب طوله 11.30 متراً، وعلو السقف يصل إلى 18.20 متراً! اعلمْ أن قطر أكبر النجوم المصنوعة يساوي 2.50 متراً، وأن إجمالي الأسفاط الخشبية في تشييد القبة هو 8017 قطعة، لا أكثر ولا أقل! أليس كل هذا التخطيط الهندسي، بما يتضمَّنه من معانٍ سامية وشريفة، جديراً بتزيين قاعة عرش مولانا في حضن أشمخ بروج العصر وأوسعها سمعةً بارتفاع يتعدى 45 متراً.
ابتسم ابن جعفر دون أن ينبس ببنت شَفة بينما شلال من الآراء المتناقضة تدفَّق في رأسه واجتاح جسمه المسنَّ المنحني إلى الأرض، تذكَّر مطالعاته الحامية لفصول شجرة الكون والجنة والإسراء في مجلدات جمعها بعناية في شبابه الثاني بالشآم، تعوَّد آنذاك على الترويح عن نفسه والالتذاذ بتأمل النجوم والكواكب في سماء الله الشاسعة، اللامتناهية.
وعلى الرغم من أنه يستحسن تلك التصاميم المثيرة والممتعة التي يتفنَّن في اختراعها الصناع والمهندسون، إلا أنه يعتبرها مجرد استعارة تعيسة عن عَلياء البارئ تعالى. خلال تأملاته الليلية الساكنة في مزرعة الشآم انتابه أحياناً شوق جامح للتعبير الشعري أو الغناء أو الرقص، لكنه أمسك دوماً بزمام رغبته للاكتفاء بتجربة المشاهد الحميمة المنفردة.
ظهر الحاجب ابن جياب ووضع حداً لتفكير القونجي بإشارة يد مستعجلة، ملحاً على الذهاب فوراً إلى القصر الملكي. توغَّلا في متاهة من الممرات الضيقة المتلوِّية، وصل الرجلان إلى ما بدا للقونجي أنه باحة رحيبة قيد التشييد، وبعد عبورها وجد نفسه في قاعة لم يرَ لها مثيلاً في حياته ضخامة وعلواً ومهابة.
في الداخل خفتت ضوضاء أعمال البناء المنتشرة في كل أنحاء القصر وتل السبيكة، تجلَّى الملك في اللحظة على منصَّته وسط الحائط الشمالي لقاعة العرش، حدَّق ملياً في وجه الشيخ ابن جعفر القونجي، ثم بادره بالتحية وأبدى لضيفه اهتمامه بالأمور الروحانية اهتماماً اشتدَّ في قلبه في هذه الظروف بالغة الخطورة التي أرادها القدر للأندلس.
بعد برهة صمت قصيرة، لبَّى القونجي طلب أبي الحجَّاج يوسف بخشوعه الدائم وباقتضاب، وما أن اختتم ابن جعفر كلامه حتى تقدَّم الوزير ابن الجيَّاب بعد أن استأذن السلطان بإنشاد القصيدة التي نظمها لنقشها في قبة العرش كي يكون زاهد قونجة على علم بمقاصد أمير المسلمين النبيلة، صفَّق الملك لعرض شاعر البلاط، فشرع الوزير يقرأ:
ولا كنْ لي التفضيل والعـزُّ في جنسي
هي القبة العليـا ونحـن بُناتـها
وفي القلب تبدو قوةُ الروحِ والنفـسِ
جوارح كنتُ القلبَ لا شـكَّ بينها
ففيَّ عدا ما بينـها شـرفُ الشمـسِ
وإن كان أشكالي بروجَ سمائِـها
ملابـسَ فخـرٍ واصطنـاع بلا لبـسِ
كسـاني مولايَ المؤيَّدُ يوسـف
علاه بحقِّ النُّـورِ والعرشِ والكرسـي
وصـيَّرنـي كرسـيُّ مُلْكٍ مؤيَّد
إبَّان استماعه إلى صوت ابن الجيَّاب المجلجل المائل إلى الخشونة، رفع ابن جعفر بصره نحو القبَّة العليا وازداد شعوره بالهيبة إزاء عظمة المكان وجلال أشكاله. وقع بصرُه على عامل كان يَطلي بالأبيض أحرفاً كبيرة منحوتة في قاعدة القبة الخشبية، فطفق يقرأ، ثم استحضر الآيات الكريمة المنقوشة عن ظهر قلب:
"تبارك الذي بيده المُلكُ وهو على كلِّ شيء قدير * الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيُّكم أحسنُ عملاً وهو العزيز الغفور * الذي خلق سبع سماوات طباقاً ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت فارجعِ البصرَ هل ترى من فُطور * ثم ارجع البصرَ كرَّتين ينقلب إليك البصرُ خاسئاً وهو حسيرٌ * ولقد زيَّنَّا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوماً للشياطين وأعتدنا لهم عذاب السعير" (سورة الملك 1-5).
تمظهرت آنئذ أمام عيني ابن جعفر نماذجُ رضوان الهندسية، بأصباغها المشعَّة الساحرة، وامتزجت، في مخيِّلته، بالقبة الخشبية الضخمة الشامخة التي كانت في انتظار عملية التلوين الشاقَّة الدقيقة، تبسَّم ابن جعفر من الداخل لأنه وعى الآن وعياً تاماً إلى أيِّ مدى تحققت الأحلام الإبداعية لصديقة رضوان، ذلك المفسِّر الهندسي لكتاب الله، المصاب بحمى التصوير.
بعد المغادرة انضمَّ إلى موكب ابن جعفر المتوجِّه إلى إقليم غرناطة كلٌّ من رضوان المهندس والشيخ أبو البركات البلفيقي، وخاض في حوار مرح مع رفيقيه خلال النزهة التي قاموا بها في الحقول المجاورة، وبعد المشاهدة واسترجاع النفس تابع ابن جعفر حديثه الحار مع رضوان.
*ق- أرباب السلوك الحقيقيون هم الذين يتخذون الكتابة تجربةً للحياة... السماع عندهم وسيلة للاتصال، مثلما يمارسون الشعر لإعادة خلق اللغة وإيجاد سُبُل جديدة للتعبير عن الذات وفنائها في المطلق.
*ر- ألا يوجد في صنائع الرقش والتزويق والخط شيئاً من هذا النوع؟ ألا نضيف جمالاً إلى جمال الدنيا؟ سأله المهندس.
*ق- بطبيعة الحال! لغة الصور مرآة قابلة لكلِّ المعاني. أنت أدرى مني بذلك. ولكن ما لا يقبل به قلبي هو التفنُّن في الإبداع تعظيماً لملوك الزمان.
*ر- ................................
خيم الليل ورجع المهندس رضوان إلى غرناطة لأداء واجباته الزخرفية..............
الأنيـــــــــــــــس في الزخرفة المغربية (أبو أندلس)
ـ ( مقتبس من فقير في بلاط الحمراء، الأسرار السبعة في الحسِّ والخيال والإبداع، خوسيه ميغيل بويرتا).
(مخطوطة الأنوار في المخاطب والأسرار حققها الباحث يوسف اليبرودوركلي ).
ـ تلوين القبة على الورق مع كل تخاطيط أنجم قبة العرش داريو كابانيلاس والرسام الغرناطي مانويل مالدونادو.
ـ الصور المجودة لخورخي بيريز سيردا سيلفستر.
ـ قصة مبنية على حياة وعمل الزاهد ابن جعفر القونجي (القرن الرابع عشر)، وفقًا للمعلومات التي جمعها لسان الدين ابن الخطيب، التي تعيد خلق الأفكار حول الفنون والعمارة.

...............ان  دراسة زخرفة المخطوط لها متعة كبيرة للباحث و المختص فمن خلال تحليلها وتفكيكيها يستطيع أن يجمع معلومات ...
15/12/2024

...............ان دراسة زخرفة المخطوط لها متعة كبيرة للباحث و المختص فمن خلال تحليلها وتفكيكيها يستطيع أن يجمع معلومات عديدة يستخدمها للوصول إلى تحديد و صحة تاريخ المخطوط والغاية الاساسية منها هي محاولة لفهم مختلف الإجراءات و الجوانب الحرفية للكتاب المخطوط، ومن هنا فإن الكوديكولوجيا او علم المخطوط يهتم بالكتاب المخطوط كقطعة مادية وذلك بدراسة الكاغد او الورق او البردي للتحقق من عمر المخطوط، او أسلوب التسفير او المسطرة وانواع الأحبار، وكذا دراسة أساليب الزخرفة والتذهيب وبالتالي فإن الكوديكولوجيا التطبيقية وخاصة الجزء المتعلق بدراسة فن زخرفة المخطوط لازالت غير معمولا بها في الأوساط العلمية المغربية على نطاق واسع ،والعناية بها يخدم تاريخنا الثقافي والحضاري ويساهم في سبر اغوار النشاط الفني الذي يعكس الحياة الثقافية للزمان والمكان الذي صنعت فيه.................
الصور لمصحف اندلسي يعود لسنة 1304م/ 703ه، في ملكية المكتبة الوطنية بفرنسا قسم المخطوطات.

مصحف مغربي مزخرف كتب بالخط المبسوط سنة 1190م (586ه)
27/11/2024

مصحف مغربي مزخرف
كتب بالخط المبسوط سنة 1190م (586ه)

عطفت حنياه ، وضمن بعضها–بعضها– وسحر ذلك التضمينكتقاطع الافلاك إلا أنهمتباينان تحرك وسكونوكأن هرمس بث حكمته بهوأدار فيه ا...
18/11/2024

عطفت حنياه ، وضمن بعضها
–بعضها– وسحر ذلك التضمين
كتقاطع الافلاك إلا أنه
متباينان تحرك وسكون
وكأن هرمس بث حكمته به
وأدار فيه الفكر إفلاطون
وكأن راسم خطه إقليدس
فموائل الأشكال فيه فنون
من دائر ومكعب ومعين
ومحجم تقويسه التحجين
من جيد الوصف ما خص به الشاعر ابن الحداد الاندلسي الرسوم والنقوش الزخرفية والخطوات الهندسية.

صور مصحف اندلسي، مدينة ألمرية القرن 11 م.

Address

Rabat

Alerts

Be the first to know and let us send you an email when الأنيس في الزخرفة المغربية posts news and promotions. Your email address will not be used for any other purpose, and you can unsubscribe at any time.

Shortcuts

Share

Category