16/08/2026
من ذاكرة مهرجان الأرز العالمي للفيلم القصير بإفران ـ أزرو
لم تكن الدورة السابقة من مهرجان الأرز العالمي للفيلم القصير بإفران ـ أزرو مجرد أيام عبرت في روزنامة المواعيد الثقافية، ثم انطفأت أضواؤها بانتهاء آخر عرض.
كانت شيئًا من الحياة نفسها وهي تدخل إلى الصورة.
في إفران، حيث للغابة ذاكرتها، وللأشجار حكايات لا تُروى دفعة واحدة، جاءت السينما لتفتح نافذة أخرى على المدينة. امتدت أيام المهرجان بين قاعات العروض، وفضاءات اللقاء، والورشات، والموسيقى، والفن، والرياضة، وبين جمهور جاء ليشاهد، وآخر جاء ليتعلم، وآخر وجد نفسه، ربما للمرة الأولى، قريبًا من عالم السينما وصنّاعها.
كان الشباب في قلب المشهد.
في ورشات التصوير وكتابة السيناريو والماكياج ، لم تعد السينما مجرد شاشة بعيدة؛ أصبحت معرفة تُلمس، وكاميرا تُجرّب، وفكرة تبحث عن طريقها إلى الورق ثم إلى الصورة.
وكانت هناك ندوات ولقاءات فكرية، حيث غادرت السينما مقاعد المشاهدة لتصبح موضوعًا للسؤال والنقاش؛ عن الصورة والفن والإنسان، وعن تلك المسافة الخفية التي تفصل بين أن نرى العالم وأن نحاول فهمه من خلال الكاميرا.
لكن المهرجان لم يغلق أبوابه داخل قاعات السينما.
في أحد أركانه، أخذت الصورة شكلًا آخر من أشكال الذاكرة. كاميرات تراثية وأخرى مستعملة اجتمعت في فضاء صغير بدا أقرب إلى متحف مصغّر لأدوات التصوير؛ أشياء حملت آثار أزمنة مختلفة، واستعادت أمام الزائر رحلة الكاميرا من أداة تحفظ اللحظة إلى وسيلة صنعت جزءًا من تاريخ السينما والذاكرة البصرية.
وبالقرب منها، وجد الكتاب له مكانًا بسيطًا بين أروقة المهرجان، بينما قدمت تجربة أخرى للصورة وجهًا أكثر حداثة، من خلال تقنيات جديدة ومبتكرة في طباعة الصور؛ في حوار هادئ بين ذاكرة الصورة وتطور وسائل تقديمها.
ثم جاء التراث.
في الهواء الطلق، وبين إيقاع المكان ووجوه الناس، ارتفع صوت أحيدوس المحلي، وحضرت فرق تراثية أخرى، فاختلط إيقاع الدفوف بليالي المهرجان، وصارت الموسيقى جزءًا من المشهد لا مجرد فقرة عابرة في البرنامج.
كان التراث هناك لا بوصفه ماضيًا محفوظًا في صندوق، وإنما باعتباره ذاكرة حية قادرة على أن تلتقي بالحاضر، وأن تجد لنفسها مكانًا إلى جانب السينما.
وفي جانب آخر من الحكاية، حضرت الرياضة من باب الاحتفاء بأبطالها الصغار.
فبعد أن سبقت المهرجان فعاليات رياضية شارك فيها أطفال وشباب من مختلف الرياضات والأعمار، جاءت لحظة تسليم الجوائز لتضع هؤلاء الأطفال في واجهة المشهد؛ وجوه صغيرة تحمل فرحة الإنجاز، وتصفيق يرافقها، واحتفاء يقول إن المهرجان حين يفتح أبوابه للسينما، لا يغلقها أمام بقية المواهب والأحلام.
وكان للمهرجان أيضًا وجهه الإنساني والترفيهي، من خلال خرجات إلى بعض الفضاءات والمنتزهات المجاورة لإفران، حيث يصبح المكان نفسه جزءًا من التجربة، وحيث لا يعود الضيف مجرد عابر في مهرجان، بل يجد فرصة لاكتشاف المدينة وطبيعتها.
وفي قلب هذه الصورة، حضر الفنانون والممثلون والمخرجون والسينمائيون والمكرمون.
وجاء التكريم ليمنح المهرجان بعدًا إنسانيًا آخر؛ فالسينما ليست أفلامًا فقط، وإنما ذاكرة أشخاص، ومسارات، وأحلام، وأجيال حملت الفن معها، وترك كل واحد منها شيئًا في وجدان الجمهور.
وهكذا، حين نستعيد الدورة السابقة، لا نتذكر برنامجًا من العناوين والفقرات بقدر ما نتذكر مشهدًا كاملًا:
شبابًا يقتربون من الكاميرا...
أفكارًا تبحث عن سيناريو...
صورًا تستعيد حياتها بتقنيات جديدة...
كتابًا يفتح صفحاته في ركن صغير...
كاميرات قديمة ومستعملة تستعيد ذاكرة الصورة...
أطفالًا يفرحون بجوائزهم...
موسيقى تراثية تملأ الفضاء...
فنانين ومخرجين ووجوهًا جاءت من عوالم السينما...
ومكرمين يحملون معهم جزءًا من ذاكرة الفن...
وفي الخلفية، كانت إفران بأشجارها وهوائها وفضاءاتها الطبيعية، لا مجرد مكان يستضيف المهرجان، بل شخصية أخرى في حكايته.
تلك كانت الدورة السابقة.
دورة لم تكن السينما فيها وحدها على الشاشة، بل كانت حاضرة في الورشة، والكتاب، والصورة، والموسيقى، والرياضة، واللقاء الإنساني.
واليوم، ونحن نستعيد تلك الصور، لا نفتح ألبومًا من الماضي فقط؛ بل نفتح الباب على فصل جديد من الحكاية.
مهرجان الأرز العالمي للفيلم القصير بإفران ـ أزرو...
ذاكرة تُصنع بالصورة، وحكاية لا تزال تُكتب.