18/07/2026
"شيء مفقود"
أحيانًا، في لحظة لا تحسب لها حسابًا، ينتابك شعور غريب.
قد تكون جالسًا مع أهلك، والبيت مملوء بالضوء والضحكات. قد تكون ماشيًا في طريقك المعتاد، والشمس دافئة على وجهك. قد تكون في سجدة، في ليلة هادئة، فتسمع صوتك وأنت تدعو.
وفجأة... بدون سبب واضح... تشعر بشيء.
ليس حزنًا. ليس فرحًا. ليس حنينًا إلى شخص أو مكان تعرفه. بل هو حنين إلى شيء لا تعرف اسمه. كأن روحك تتذكر شيئًا نسيته أنت. كأن هناك وطنًا آخر لا يشبه هذا العالم، وعبق ذلك الوطن عبر إليك للحظة، فاضطرب قلبك.
يمر هذا الشعور في ثوانٍ. تبتسم، أو تدمع، أو تسكت. ثم تعود إلى حياتك. لكن شيئًا ما في داخلك يبقى مضطربًا. يبقى باحثًا. يبقى متسائلًا: "ما هذا الذي أفتقده؟"
---
تشريح الشعور: ماذا يقول العلم؟ وماذا يقول الوحي؟
يسمي علماء النفس هذا الشعور أحيانًا بـ "الحنين الوجودي". يقولون إن الإنسان يحن إلى حالة من الكمال والسلام لم يعشها أبدًا، لكنها مرسومة في أعماق وعيه الباطن. إنه حنين بلا ذاكرة. شوق بلا هدف. بحث عن شيء لا يُرى.
لكن القرآن يفسره بطريقة أخرى. بطريقة أعمق. يخبرنا الله أننا لم نبدأ من هذا العالم. لقد بدأنا من عالم آخر. عالم النور. عالم "ألست بربكم". هناك، كنا أرواحًا في حضرة الله. هناك، سمعنا صوته. هناك، عرفناه.
"وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا بَلَىٰ" (الأعراف: 172).
هذا العهد القديم... ما زال مرسومًا في أرواحنا. لقد نسيناه بعقولنا، لكن الروح لم تنسه. الروح تتذكره. وفي بعض اللحظات النادرة، حين تهدأ الضوضاء، وحين تصفو النفس، وحين نقترب من الفطرة... تشتم رائحة الوطن القديم.
هذا هو "الشيء المفقود". ليس حبًا ضائعًا. ليس طموحًا لم يتحقق. ليس شيئًا من هذه الدنيا أصلًا. بل هو الله. هو القرب منه. هو ذلك السلام الذي لا يوجد إلا في حضرة النور.
---
لماذا نخاف من هذا الشعور؟
نحن نخاف منه لأننا لا نفهمه. نظن أننا يجب أن نكون سعداء طوال الوقت. نظن أن هذا الحنين المفاجئ هو علامة على أن هناك خطأ ما في حياتنا. فنحاول أن نخنقه. نفتح الهاتف. نشغل فيديو. نأكل. نضحك بصوت أعلى. أي شيء لئلا نشعر بهذا الفراغ.
لكن الحقيقة هي العكس.
هذا الشعور هو أكثر ما فيك صدقًا. هو روحك تذكرك أنك لست من هذا العالم. أنك لست مجرد جسد يأكل ويشرب وينام. أنك لست مجرد موظف أو طالب أو حتى ابن أو أب. أنت روح. روح من نفخة الله. وفي تلك اللحظة، تشتاق الروح إلى من نفخها.
---
ماذا تفعل حين يأتيك هذا الشعور؟
لا تهرب. لا تخف. لا تشغل نفسك عنه.
اجلس معه. استقبله كضيف عزيز. قل لنفسك: "هذه روحي تتذكر ربها." ثم توضأ. وصلِّ ركعتين. ليس لأنك مضطر. بل لأنك مشتاق. واسجد. وأطل السجود. فهناك، في أقرب نقطة بينك وبين الأرض، ستجد ما كنت تبحث عنه.
"وَاسْجُدْ وَاقْتَرِب" (العلق: 19).
ليس "اسجد لتقترب". بل "اسجد واقترب". في نفس لحظة السجود، يحدث الاقتراب. في نفس اللحظة التي تلامس فيها جبهتك الأرض، يلامس قلبك السماء. هناك، في ذلك الموضع، يزول الشعور بالغربة. تجد نفسك. تجد وطنك. تجد الله.
---
الخلاصة:
ذلك الشعور الذي ينتابك فجأة... ليس مرضًا. ليس ضعفًا. ليس اكتئابًا. بل هو دعوة. دعوة من روحك لك كي تعود. كي تتذكر. كي تشم رائحة الجنة.
فلا تخنق الدعوة. استجب لها. عد إلى وطنك القديم. فالله ينتظرك.