20/07/2026
سَعَةُ العَرَبِيَّةِ وَجِنَايَةُ التَّضْيِيق: قراءة نقدية في مقولة «قُلْ وَلَا تَقُل»
🖊️ا. د. محمد طه حمدون السامرائي
🪔 كثيرًا ما يجد المتأمل في نفسه شيئًا من مقولة بعض المُحْدَثين من اللغويين: «قُل ولا تَقل»؛ فإنَّ طائفةً غير قليلةً من أحكامهم لا تصمد أمام البحث والتحقيق، بل تتهاوى عند استقراء كلام العرب واستقصاء لغاتهم وأساليبهم.
⚡وما أكثر ما يُقضى على تركيبٍ أو لفظٍ بالخطأ واللحن، ثم لا يلبث الباحث المُتجرِّد أن يقف له على شواهد صحيحةٍ في كلام الفصحاء، أو يجد له وجهًا معتبرًا عند أئمة العربية المتقدمين.
🌹فاللغة العربية أوسعُ من أن تُحاط بقياسٍ واحد، وأرحبُ من أن تُختزل في ما عَلِمه متأخرٌ أو استحسنه.
⛴️إنها بحرٌ زاخرٌ تتنوَّع فيه اللغات، وتتعدَّد فيه الأساليب، وتختلف فيه المذاهب. وليس كلُّ ما جهله المرءُ باطلًا، ولا كلُّ ما لم يألفه لحنًا.
🌱 فالإحاطة التي لا يدركها إلا نبي
نعم إن آفة الكثيرين ممن يتصدرون للتصحيح اللغوي اليوم، هي ظنهم أنهم أحاطوا بمفردات العربية وأساليبها، وهذا وهمٌ كبير حذَّر منه أئمة السلف.
يقول الإمام **الشافعي** رحمه الله في رسالته: *"لسانُ العرب أوسعُ الألسنة مذهبًا، وأكثرُها ألفاظًا، ولا نعلمه يُحيط بجميع علمه إنسانٌ غيرُ نبي"*.
هذا التقرير البديع من الشافعي يُعد دستورًا للغوي الحصيف؛ إذ يجعله دائم البحث والتنقيب، متواضعًا أمام سعة اللغة، فلا يتسرع في إطلاق سيف التخطئة على ما لم توافقه قريحته أو لم تسعفه به حافظته.
🌴 ومنهج الأئمة: التماس الأوجه لا التخطئة
فديدن كبار النحاة واللغويين قديماً كان «توجيه» الكلام والتماس المخارج له، لا التسرع في ردّه وتخطئته. فاللغوي الكبير يرى في تنوع اللهجات والأساليب ثراءً، لا خروجاً عن الجادة.
🪔 و عقد العلامة **أبو الفتح ابن جني** في كتابه العظيم «الخصائص» أبوابًا جليلة تؤكد هذا المعنى، وقرر أن ما جاء عن العرب يخضع للتعليل والتوجيه، حتى إنه ليقول في تبرير بعض القراءات أو اللغات التي قد تبدو شاذة في ظاهرها: "فإن أمكنك أن تجد له وجهًا من القياس، وإلا فاجعله لغةً قائمةً بنفسها".
🪔 ولقد أصاب الإمام **ابن هشام اللخمي** (في كتابه المدخل إلى تقويم اللسان) كبد الحقيقة حين وضع قاعدته الذهبية التي تنص على أن: *"مَن اتَّسع في كلام العرب ولغاتِها، لم يكد يُلحِّن أحدًا"*. وهو نص على أن سعة الاطلاع تُورث الإنصاف، وأن ضيق البضاعة كثيرًا ما يُورث الجرأة على التخطئة.
🪔 حتى الإمام **الحريري** الذي وضع كتابه الشهير «درة الغواص في أوهام الخواص» في باب التخطئة، عاد فأنصف المتكلمين في مقاماته، ووجد له **الخفاجي** و**ابن بري** وغيرهم تخريجات لما أنكره، مما يؤكد أن ما ينكره لغويٌ قد يقرّه لغويٌ آخر أعلم منه بشواهد العرب.
🌴 فجناية التضييق مذموم
فالإفراط في تأليف كتب «قل ولا تقل» وتحويلها إلى شرطي لغوي يقف للمتحدثين والكتّاب بالمرصاد، قد أورث الأجيال المعاصرة «عقدة الخوف من اللحن»، فبات الكاتب يتهيب القلم، والمحاضر يتهيب المنبر، خشية الوقوع في خطأ قد لا يكون خطأً في حقيقة الأمر، بل هو لغة من لغات العرب المندثرة، أو قياسٌ صحيح على قاعدةٍ مهجورة.
ولقد أدركت **المجامع اللغوية المعاصرة** (كمجمع اللغة العربية بالقاهرة) هذه الحقيقة، فأجازت الكثير من الألفاظ والتراكيب بناءً على قاعدة "القياس على ما لم يَطَّرِد"، وقاعدة "توسيع الدلالة"، إيمانًا منها بأن اللغة كائن حي ينمو ويتطور، ولا يمكن حبسه في قوالب البصريين والكوفيين التي كُتبت قبل أكثر من ألف عام.
🌴 وخلاصة القول:
رويدًا أيها المتعجلون في إطلاق الأحكام، وكفُّوا عن دعاوى الوصاية المطلقة على العربية؛ فإنَّ العربية أجلُّ من أن تُحبس في حدود الأفهام القاصرة، وأوسع من أن تُضيَّق بتعليلاتٍ متكلَّفة. ومن رام الحكم على كلام العرب، فليتَّسع أولًا في معرفة كلامهم وأشعارهم وقراءات قرآنهم ولهجات قبائلهم.
وليُجعل هذا القانون نصب العين: «إنَّ من ضاق علمُه اتَّسع إنكارُه، ومن اتَّسع علمُه ضاق بابُ التلحين عنده».