20/11/2023
الفنان عيدان الشيخلي:
العودة إلى الجذر والاكتفاء المتقشف بالذاتي
د. قيس عيسى
ذهول الفنان وانشداده لجملة القول الرئيسية جعلته يتخلص من التقنية ويجدُ الرابطة الأساسية بين بني البشر والقوى الغيبية بين المادة المُشَكّلة وبين الشعور. جملة القول التي في داخلهِ هي من تفترضُ آلية التشكُل البصري.
وذلك لغرض انشاء نظام فني يحتمي بذاتهِ. وهذا الاحتماء بالذاتِ وإنماؤها دون التأثر بذواتٍ خارجية يؤدي إلى تشكُلِ جملة القول بشقيها الإنساني والفني. (هنا يتشكل موقف الفنان اتجاه الفن واتجاه الانسان نفسه).
ما يوفره لنا الفنان (عيدان الشيخلي) كمتلقين هو (الفجوة) حسب رأي (آيزر) في نظرية التلقي معنى الفجوة هي كمية الأسئلة التي يُثيرها العمل الفني وبدوره المُتلقي يَنشِدُ من خلالها تلك الإجابات التي تُشبِعُ غريزتهُ في الاستحواذ على المعنى. لكن الفنان وفر لنا منظومةٌ واسعة من الأسئلة التي جابهتنا بها تلك الفجوات بمعنى المضمر من الخطاب التشكيلي وهو كما أسلفنا جملة القول أو ما يُريد أن يقول الفنان.
اشكال بسيطة وبعضها بدائية والبعض الآخر لا يُشير إلى التعبير كي لا ينزلق الفنان إلى محنة التعاطف من قبل المتلقي بل دوره يكمنُ في اكتشاف ذلك الخطاب الجمالي المُتَخَيَّل الذي أحاله الفنان من حقل الماديات الجاهزة إلى حقلٍ موازٍ يتسم بسمة الابداع.
ولم يقف الفنان عن توليد الأسئلة في ذهن المتلقي بل تعدى ذلك إلى كسر أفق توقع القارئ وهي آلية أخرى من آليات نظرية التلقي التي تُجابه المُتلقي بتحطيم متحف الذاكرة المُسبق لديه والمُتراكم منذ زمن، أو حسب طبقات الأزمنة المعرفية التي بُنيت حسب نظام حسي طويل الأمد.
كأن الفنان على دراية بذلك المتحف الذي أستقر في ذهن القارئ، لذا يُجابههُ بتشكيل مُختلف بنماذج لا تنتمي إلى الذاكرة المتحفية بل نماذج تمتلك سماتها الإبداعية الجديدة المُحتمية بذاتها التي تعتمدُ الاختلاف و الصيرورات الدائمة في احداث ما هو خارج حدود التوقع.
لم يكتفي الفنان بتوظيف الاشكال الهندسية بل حاول ان يعيدها إلى أصها الطبيعي البدائي وأكساؤها بطابع الفطرة الجديدة المولودة الآن، فنلاحظ قرب كائناته من سمات الطبيعة فيها شيء من الشعور الذي يُعزز الروح الكامنة فيها، الذي يكسوها بالحياة. وهو أيضاً لا يتخلى عن رؤية الفاحص العارف بقوانين التشكيل فينشدُ الاختلاف فيجعل المُستقر قلِقاً ويجعل المتوازن المنتظم مُربكاً وعارفاً بالإيقاع ومتمرساً بالسطوح والمواد وطاقة اللون ويوازن بين الحجوم ويخلخلُ بعضها. هذا التجلي في الفنون مكنه من صياغة مقولته العظيمة وهي ان يكون انساناً وفناناً وان يتبنى المرء ما ينتج بمعنى أن يُنشئ عالمه هو كما يُريد، وهذا أخطر ما يواجه الفن، وهو ان يتجاهل الفنان الحقيقي كل ما انتجه الآخرون على الصعيد الفني وكل ما يُرغَبُ به البشر بدافع الهيمنة والاستحواذ. فمقولته الاصل الفطري في الأشياء والروح المنبثقة منها تمنحها صدق المقولة. مقولة الفن ومقولة الانسان جُمِعا معاً في العودة إلى الجذر والاكتفاء المتقشف بالذاتي.
كانت اشتغالاته تنصب على خامات مختلفة باحثاً في روح الشكل وشاعرية الخامة وصولاً إلى مضمونها الذي يتواشج مع فكرة الموضوع اداءً وفكراً.