09/09/2026
«ما تركه الغياب»
قراءة نقدية في أقصوصة
الأديب محمود طبل
حسن غريب أحمد
عضو نقابة اتحاد كتاب مصر
ليست أقصوصة الكاتب محمود طبل نصًّا عن الرحيل بالمعنى المباشر، وإنما هي نص عن اختلاف معنى الرحيل حين يتبدّل الراحل. ففي سطرين فقط يبني الكاتب مفارقة إنسانية كاملة:
«عندما غادر ترك كل شيء،
وعندما غادرت لم تترك أي شيء.»
منذ الجملة الأولى يدخل النص منطقة المفارقة؛ فالفعلان متطابقان تقريبًا: «غادر» و«غادرت»، لكن النتيجة مختلفة جذريًا.
هو غادر وترك «كل شيء»، وهي غادرت ولم تترك «أي شيء». وبين «كل» و«أي» تتسع فجوة هائلة من المعنى.
اللافت أن الكاتب لم يقل: تركها، أو ترك البيت، أو ترك الذكريات، وإنما اختار التعبير المطلق: «كل شيء». هذه العبارة تجعل الغائب الأول شخصًا يرحل بجسده بينما تظل أشياؤه وآثاره وذكرياته معلقة في المكان.
أما الغائبة الثانية، فقد مارست رحيلًا أكثر قسوة؛ إذ لم تترك شيئًا يمكن الإمساك به، وكأنها لم تغادر المكان فقط، بل محَت حضورها السابق كله.
وهنا تتأسس الثنائية المركزية للنص:
غادر / غادرت
ترك / لم تترك
كل شيء / أي شيء
إنها بنية لغوية تقوم على التشابه الشكلي والتناقض الدلالي.
وهذا الاقتصاد هو أحد مكامن قوة الأقصوصة؛ فالنص لا يحتاج إلى شرح العلاقة بين الشخصيتين، ولا إلى سرد تاريخها، لأن الفراغ الذي تركه الكاتب حولهما يتحول إلى جزء من المعنى.
والأكثر إثارة أن ضمير المتكلم غائب تمامًا، ومع ذلك نشعر بوجود شخصية ثالثة تتلقى الحكاية أو تنقلها.
افتتاح النص بـ «قال بهدوء» يخلق مسافة سردية محسوبة؛ فهناك صوت يتكلم، وصوت ينقل، وقارئ مطالب بأن يستنتج ما لم يُقَل.
أما كلمة «بهدوء» فهي ليست تفصيلًا زائدًا.
إنها مفتاح نفسي للنص.
فالجملة التي تحمل هذا القدر من الفقد لا تُقال بانفعال أو صراخ، وإنما بهدوء.
وهنا ينشأ التناقض بين هدوء النبرة وعنف الدلالة.
كأن الألم بلغ مرحلة لم يعد معها بحاجة إلى الصراخ.
ويمكن قراءة «الهدوء» بوصفه علامة على أحد احتمالين: إما أن المتكلم تجاوز الألم، وإما أنه غرق فيه إلى درجة صار معها الألم عاديًّا.
وفي الحالتين يتحول الهدوء إلى لغة ثانية للفقد.
لكن المفارقة الأعمق تكمن في كلمة «شيء».
فالكاتب لا يمنحنا شيئًا محددًا مما تركه الرجل، ولا يخبرنا بما لم تتركه المرأة.
كلمة «شيء» هنا تتحول إلى فراغ دلالي؛ فهي تشير إلى كل ما يمكن أن يكون موجودًا: البيت، الرسائل، الصور، الذكريات، العادات، الحب، وحتى الألم.
ولهذا فإن «كل شيء» ليست كثرة مادية بالضرورة، بل يمكن أن تعني أن الرجل ترك أثرًا.
في المقابل، «أي شيء» لا تعني مجرد انعدام الممتلكات، وإنما تعني انعدام الأثر.
وهنا يصبح النص في جوهره سؤالًا عن الفرق بين:
من يرحل ويبقى أثره، ومن يرحل فيمحو أثره.
ومن هذه الزاوية يمكن قراءة الأقصوصة باعتبارها نصًا عن الذاكرة أكثر من كونها نصًا عن الفراق.
فالمشكلة ليست في أن شخصين رحلا، وإنما في أن أحدهما ظل حاضرًا بما ترك، بينما تحول الآخر إلى غياب كامل.
وتزداد المفارقة قوة من خلال التكرار التركيبي:
«عندما غادر...
وعندما غادرت...»
التكرار هنا لا يؤدي وظيفة إيقاعية فقط، بل يصنع مرآة سردية؛ فالكاتب يضع الرحيلين متجاورين لكي يجعل القارئ يقارن بينهما. وكأن الجملة الثانية تعيد كتابة الأولى ولكنها تنقض نتيجتها.
وهذا من أجمل عناصر البناء في النص: التشابه في الفعل يقابله اختلاف في الأثر.
كما أن استخدام «عندما» في المرتين يربط الرحيل بالزمن، لكنه لا يمنحنا زمنًا محددًا.
نحن أمام «زمنين» نفسيين لا تاريخيين؛ زمن رحيله، وزمن رحيلها. وبين الزمنين حدث شيء ما، لكنه محذوف عمدًا من النص.
وهذا الحذف هو الذي يمنح الأقصوصة قوتها التأويلية.
فالقارئ يستطيع أن يفترض أنها علاقة عاطفية، أو زوجية، أو صداقة، أو حتى علاقة إنسان بمكان.
النص لا يحسم، وهذه ليست ثغرة، بل استراتيجية سردية تجعل التجربة قابلة للتعميم.
ومع ذلك، فثمة ملاحظة فنية تستحق الإشارة: النص شديد القِصر إلى درجة أن نجاحه يتوقف بصورة شبه كاملة على قدرة القارئ على ملء الفراغات.
وهذا النوع من الكتابة لا يحتمل أي زيادة تفسيرية لاحقة؛ لأن قوته قائمة على الصمت.
ولو أضاف الكاتب وصفًا أو تفسيرًا للشخصيتين لانخفض منسوب الغموض، وربما فقدت المفارقة جزءًا من طاقتها.
ومن الناحية البلاغية، يمكن القول إن النص مبني على طباق دلالي غير مباشر بين «كل شيء» و«أي شيء»، وعلى مقابلة تركيبية بين حالتين متشابهتين ظاهريًا ومختلفتين جوهريًا.
إنها كتابة تقوم على مبدأ:
أقل عدد من الكلمات، وأكبر مساحة من الاحتمالات.
والعنوان، إذا لم يكن للأقصوصة عنوان مقصود، فإن النص نفسه يقترح عناوين مثل: «الأثر» أو «ما تبقّى» أو «الذين يرحلون»؛ غير أن «الأثر» ربما يكون الأكثر التصاقًا بجوهرها، لأن القضية الحقيقية ليست الرحيل، وإنما ما يتركه الإنسان بعد الرحيل.
في النهاية، ينجح الكاتب محمود طبل في تحويل حدث عادي جدًا ــ إنسان يغادر وإنسانة تغادر ــ إلى مفارقة وجودية: ليس كل رحيل متشابهًا، وليس كل غياب فقدًا بالدرجة نفسها؛ فهناك من يرحل ويترك وراءه عالمًا كاملًا، وهناك من يرحل حتى يبدو كأنه لم يكن.
وهنا تكمن الضربة الأخيرة للأقصوصة:
قد يكون أقسى الغياب ألا تفقد شخصًا فقط، بل أن تفقد حتى الأشياء التي كانت تثبت أنه كان موجودًا.
إنها أقصوصة لا تنتهي عند النقطة الأخيرة؛ بل تبدأ منها، لأن ما لم يقله محمود طبل هو بالضبط ما يجعل النص قابلًا للقراءة والتأويل.