08/08/2026
ملتقى القاهرة الدولي للمسرح الجامعي… لم يكن يومًا مجرد مهرجان
حين أسسنا ملتقى القاهرة الدولي للمسرح الجامعي، لم تكن الفكرة أن نضيف مهرجانًا فنيًا جديدًا إلى أجندة الفعاليات، ولا أن نحتفي فقط بنوع من المسرح يصنعه طلاب الجامعات.
منذ اللحظة الأولى، كانت الفكرة أكبر بكثير.
آمنا بأن بناء المجتمع المصري لا يمكن أن يكون مسؤولية مؤسسات الدولة وحدها، وأن المجتمع المدني والجامعات والقطاع الخاص وكل مؤسسة تؤمن بقيمة الإنسان يجب أن تكون شريكًا حقيقيًا في صناعة المستقبل.
وآمنا كذلك بأن مواجهة الأفكار المتطرفة والمنغلقة لا تنتهي فقط بإسقاط تنظيم أو هزيمة مشروع سياسي؛ لأن المعركة الأهم والأطول هي معركة الوعي… معركة بناء إنسان مصري مستنير، يعرف تاريخ وطنه، ومجد وعظمة بلاده، ويدرك قيمتهم جيدا، ويملك القدرة على التفكير والاختيار وحماية مجتمعه من كل ما يستهدف عقله وهويته ومستقبله.
ولهذا كان شباب الجامعات في قلب مشروعنا.
ليس فقط لأنهم يمثلون قطاعًا واسعًا من المجتمع، ولكن لأنهم الأكثر قدرة على صناعة التغيير، والأكثر استعدادًا لحمل أفكار جديدة إلى المستقبل.
واخترنا المسرح لأننا نؤمن بأنه من أكثر الفنون قدرة على الاشتباك المباشر مع الإنسان؛ مساحة يلتقي فيها الفكر بالحلم، والفن بالواقع، ويجد الشباب فوق خشبته صوتًا يعبر عن أسئلتهم وطموحاتهم ومخاوفهم وآمالهم.
لكن كان هناك هدف آخر لا يقل أهمية، وأراه حتى اليوم هدفًا استراتيجيًا:
أن يقدم الملتقى نموذجًا حقيقيًا لفكرة تكامل مؤسسات المجتمع في بناء الإنسان.
وزارة الثقافة لا تعمل وحدها.
وزارة الشباب والرياضة لا تعمل وحدها.
ووزارة التعليم العالي لا تعمل وحدها.
والجامعات لا تعمل وحدها.
والمجتمع المدني لا يستطيع أن يصنع التغيير وحده.
حين تتكامل هذه الأدوار، يصبح لدينا مشروع مجتمع، لا مجرد فعالية.
ومن هنا كانت واحدة من أجمل الصور التي صنعها الملتقى طوال سنواته: دولة ومجتمع مدني وجامعات ومؤسسات ثقافية وقطاع خاص وشباب يعملون معًا حول هدف واحد.
وقد حظيت هذه الرؤية منذ البداية بتقدير رسمي رفيع؛ فانطلقت الدورة الأولى تحت رعاية فخامة رئيس الجمهورية، ثم توالت رعاية دولة رئيس مجلس الوزراء للدورات التالية، في رسالة كانت بالنسبة لنا أكبر بكثير من مجرد مظلة بروتوكولية لمهرجان مسرحي.
كانت رسالة بأن الشباب والثقافة والوعي قضية دولة ومجتمع معًا.
ومن هنا، فإن قيمة مشاركة أية وزارة أو جامعة أو مؤسسة في دعم هذا المشروع لا تُقاس فقط بما تقدمه من دعم مالي أو لوجستي.
القيمة الحقيقية هي في الرسالة التي تقولها هذه المشاركة:
أننا نؤمن بالشباب.
نؤمن بالفن.
نؤمن بحرية العقل.
ونؤمن بأن الاستثمار الحقيقي في مستقبل مصر يبدأ من الاستثمار في الإنسان.
فالتحديات التي تحيط بوطننا اليوم لا تواجه فقط عند الحدود.
هناك أيضًا حدود أخرى يجب أن نحميها بكل القوة: حدود العقل والوعي والانتماء.
وحين نمنح شبابنا المعرفة والفن والقدرة على التعبير، وحين يشعرون أن هذا الوطن يتسع لأحلامهم ومواهبهم ومستقبلهم، فإننا لا نصنع فنانين فقط… بل نصنع مواطنين يعرفون لماذا يحبون وطنهم، ولماذا يستحق أن يدافعوا عنه.
ولهذا سيظل ملتقى القاهرة الدولي للمسرح الجامعي بالنسبة لي مشروع وعي قبل أن يكون مهرجانًا، ومشروع إنسان قبل أن يكون مشروع فن.
وهنا ايضاً يمكننا أن نردد كلمات الكاتب الكبير محمود دياب في رائعته «باب الفتوح»:
«لحجبنا الأرض إذا شئنا بجنود يسعون إلى الموت ليذودوا عن أشياء امتلكوها… وامتلكوا كل معانيها.»
لأن الإنسان لا يدافع حقًا إلا عما يشعر أنه شريك فيه…
ولا يحمي وطنًا إلا إذا امتلك معنى هذا الوطن داخله.
وهذه كانت الفكرة منذ البداية… وما زالت….
— عمرو قابيل
مؤسس ورئيس ملتقى القاهرة الدولي للمسرح الجامعي
#المسرح