21/01/2026
حيوية الفن
تأرجح مفهوم الحيوية في الفن على العديد من العتبات الجمالية، منذ البدايات الأولى في استخدام مبادئ المحاكاة والسعي وراء الترديد الأمين لأجزاء وعناصر الموجودات، واكتشاف جوهرها وسياقاتها العددية، واستخدام قواعد المنظور، وتقنيات مثل التجسيم والتظليل والتلوين؛ من أجل إبداع أشكال وشخوص تنبض بالحياة وتتغنى وتبوح بالتعبير. لتتحول من حالتها الجامدة إلى الحيوية في حالة من التجسيد للقيم المثالية والأخلاقية التي تعلو فوق الواقع الحسي.
ومع فنون الحداثة ومع تطور العلم تطور الفن واتخذ العلم خليلًا يمشي على دربه، حتى نزح الفن من المثالية إلى الشكلانية فتحولت الحيوية إلى الرغبة في الإيحاء بالحركة والديناميكية، وتعددية الخطوط والرؤى في عيون وذهن المتلقي. حتى جاء عهد جديد دخل فيه جاهز الصنع عالم الفن فتحولت الحيوية من الإيهام والإيحاء بالحركة إلى الاستعانة بالحركة الحقيقية والتفاعلية الحية بين الفن وجمهوره.
وما إن جاءت ما بعد الحداثة أُزيلت الفواصل بين مادة الفن ومادة الحياة. واستبدل الفن باللا فن. فالحيوية انطلقت من محاكاة الشيء إلى وجود الشيء نفسه كعنصر حي داخل العمل الفني.
وما إن باتت ما بعد الحداثة في الأفول لمفاهيمها وغايتها لتأتي بعد ما بعد الحداثة لتدخلنا إلى عالم أخر من الوسائط الجديدة والعلاقات الجديدة بين الفن والعلم لتقدم شكل مغاير من الحيوية في الفن.
حين أصبح العمل الفني غير محاكيًا للحياة لأنه بات يتمتع بها ويلتقط أنفاسها؛ منذ أن دخل الفن إلى عالم الجزيئات والجينات واستُبدلت الأداءات الحية للفنانين بأداءات البكتريا والأحماض النووية.
حتى أمكن القول أن الحيوية تقلدت مكانة جديدة في دورة حياة الفن وتحولت من كونها غاية، إلى أن أصبحت الوسيلة التي من خلالها يقدم الفن أفكاره ويعالج مفاهيمه ويناقش قضاياه.
في هذا الكتاب سوف تذهب مع قراءة صفحاته في رحلة نقدية وجمالية وفكرية وعلمية حول الكيفية التي يمكن أن تتبدل بها المفاهيم وتتفكك بها الرؤى؛ حتى يمكنك أن تصبح واعيًا بالمستجدات والمستحدثات التي طرأت على عالم الفن؛ لفهم الكيفية التي أصبح بها اللا فن، فنًا في الأساس؟ وكيف أصبحت المادة الحية بطلاً في العملية الإبداعية؟ ولماذا لجأ الفنانون لاستخدامها وانتهاج الأساليب والصياغات لتقديمها؟ وكيف تداخلت مخرجات الفن بمخرجات العلم وتبادل كل من الفنان والعالم الأدوار في الممارسة العلمية الإبداعية للحد الذي يجعلك تتسأل هل هذا فن في إطار علمي، أم هذا علم في إطار فني؟ إذن ما هي الفلسفات والتيارات الفكرية التي تزكي هذا الدرب من الفن؟ وما الذهنية التي يجب أن يتمتع بها المتلقي حتى يستطيع فهم الأبعاد والإشكاليات وراء ذلك الطرح الفني؟ ثم يجيب عليك الكتاب في السؤال الأهم وهو ما هو الدور التربوي والجمالي والأخلاقي لمثل تلك الممارسات من التلاعب بالمادة الحية باسم الفن؟ وكيف تنعكس آثارها على الثقافة والفكر والأيديولوجيا بشكل عام؟
سعيدة جدًا بالمشاركة في معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته ٥٧ لعام ٢٠٢٦ ونشر كتاب "حيوية الفن من بعد الحداثة إلى بعد ما بعد الحداثة" ضمن سلسلة كتب "بعد ما بعد الحداثة" التي تقدمها دار أروقة للدراسات والترجمة والنشر وبالتواجد مع نخبة من المؤلفين والمفكرين والمهتمين بفكر الما بعديات.
أتمنى لكم قراءة ممتعة