02/09/2026
تخيل إن الست اللي قدامك دي قررت تعمل من نفسها حقل تجارب، وتحط نفسها في موقف كان ممكن ينتهي بموتها، لمجرد إنها عايزة تعرف حاجة واحدة:
إيه اللي ممكن يحصل للإنسان لما يتحط قدامه كل شيء، ويتقاله: اعمل اللي إنت عايزه، ومحدش هيحاسبك؟
سنة 1974، في إيطاليا وتحديدًا في مدينة نابولي، الفنانة الصربية العالمية مارينا أبراموفيتش عملت واحدة من أشهر وأغرب تجارب الأداء الفني في التاريخ، واللي اتعرفت باسم Rhythm 0 – الإيقاع صفر.
الفكرة كانت مرعبة ببساطتها.
مارينا وقفت في قاعة العرض لمدة 6 ساعات كاملة، من غير ما تتحرك، ومن غير ما تتكلم، ومن غير ما تبدي أي رد فعل مهما حصل.
وقدامها ترابيزة عليها 72 غرض مختلف.
حاجات لطيفة زي الورد والعطر والعسل والريش والهدايا...
وحاجات تانية ممكن تستخدم لإيذ!ئها، من بينها المقص والشفرة والمسامير وأدوات حـ.ـ.ادة، وحتى مسـ.ـ.$ـدس محشو بطلـ.ـقة واحدة.
وحطت قدام الجمهور تعليمات واضحة بمعنى:
"أنا مجرد شيء واقف قدامكم. استخدموا الـ72 غرض زي ما تحبوا، وأنا هتحمل المسؤولية عن أي حاجة تحصل خلال الست ساعات."
في البداية، كل حاجة كانت هادية جدًا.
الجمهور كان متردد.
ناس قربت منها وادتلها ورد، ناس بوسوا إيديها، وناس استخدموا العطر والحاجات اللطيفة الموجودة على الترابيزة.
لكن مع مرور الوقت، حصل تغيير غريب جدًا.
الناس بدأت تكتشف إن الست اللي قدامهم مش هتقاوم.
مش هتزقهم.
مش هتزعق.
مش هتشتكي.
ومش هتحاسبهم.
وهنا بدأت الحدود تتزحزح واحدة واحدة.
حد بدأ يقـ.ـص جزء من هدومها بالمقـ.ـص.
وبعدها ناس تانية بدأت تستخدم أدوات مـ.ـؤذية ضدها.
ووصل الأمر إلى إنها اتجرحت في رقبـ.ـتها بشفرة، والناس بدأت تتعامل مع جسـ. مها وكأنه فعلًا مجرد "شيء" موجود قدامهم ومسموح لهم يعملوا فيه اللي هما عايزينه.
والأخطر إن التصرفات دي بدأت تتصاعد تدريجيًا.
كل ما شخص يعمل حاجة، ويلاقي إن مفيش عواقب، شخص تاني يتشجع يعمل حاجة أكتر.
لحد ما التجربة وصلت للحظة شديدة الخطـ.ـورة، لما واحد من الموجودين مسك المسـ.ـ دس الموجود على الترابيزة ووجهه ناحيتها.
وفي اللحظة دي، بعض الناس تدخلوا ومنعوه.
وبدل ما الجمهور يفضل مجرد متفرجين، حصلت مواجهة بينهم، وانقسموا بين ناس شايفة إن اللي بيحصل عادي ضمن التجربة، وناس تانية شايفة إن الموضوع خرج تمامًا عن السيطرة.
وبعد مرور الست ساعات، انتهت التجربة.
مارينا أخيرًا اتحركت.
رجعت تتصرف كإنسانة قادرة على الكلام والمواجهة، بعد ما كانت طوال الوقت ممنوعة من أي رد فعل.
واللافت في الروايات المتداولة عن التجربة إن ناس كتير من اللي كانوا بيـ.ـؤذوها بدأوا ينسحبوا بسرعة بمجرد ما مارينا رجعت تتحرك وبقت قادرة تواجههم كإنسانة، مش كـ"شيء" ساكت قدامهم.
التجربة دي فضلت مشهورة جدًا لأنها بتفتح سؤال مخيف:
هل الإنسان بطبيعته ممكن يكون مـ.ـ ؤذي؟ ولا المجتمع والقوانين والأعراف هي اللي بتحط حدود لسلوكه؟
لكن هنا لازم ناخد بالنا من حاجة مهمة.
"الإيقاع صفر" كانت عملًا فنيًا وتجربة أداء، ومش تجربة علمية في علم النفس تقدر لوحدها تثبت إن "كل البشر ممكن يتحولوا إلى ساديين" لو اختفت القوانين.
لكنها بالفعل بتطرح سؤال قوي جدًا عن المسؤولية، والسلطة، وضغط الجماعة، وإزاي ممكن سلوك الإنسان يتغير لما يحس إن مفيش عواقب لأفعاله.
وده يمكن يكون الجزء الأكثر رعبًـ.ـا في القصة:
مش إن الإنسان وحش بطبيعته... لكن إن الظروف أحيانًا ممكن تختبر الحدود اللي هو نفسه كان فاكر إنها مستحيل تتكسر.