08/09/2026
زيارة البيت القديم (تجميعة الثلاثة أجزاء)
فتحت الباب، نعم بعد انتظار أكثر من ثلاثمئة وخمس ستين يومًا، ولا أدري سبب كل هذا الانتظار، أهو خوف المجهول غير المجهول، ما المجهول في شيء أعرفه أكثر من أي أخر بل ما المجهول في جزء مني؟ أشعور مواجهته هو المجهول، أم هو فقط رغبة الاستمرار في التخبط والخوف من السير للطريق القويم الذي تكرهه نفسي، أكبر أعداء نفسي هو الالتزام، قد أعكف على الكتب أياما ولكن لمرة أو مرتين، لكن أن أعكف بضع ساعات لأيام متواصلة فهذا أظنه مستحيلا، على كل ربما لن أعرف السبب.
فتحته -ذاك الباب- ودخلت بحثت عن أي مصدر للضوء كي أري ماذا يوجد أو بالأحرى أكان مثل ما تركته، أتحسس الجدران وأمشي بطيئا كي لا أقع ولكنها كانت محاولة فاشلة فكنت أقع مرة تلو الأخرى، ويحي لقد غبت طويلا حتى لقد نسيتني، إلا أن وجدت ذاك الزر، ضغطت عليه لم يحدث شيء لثوان إلا أن ظهر ضوء خافت كمصباح المنزل قبل أن يعلن الوداع، لكنه كان أكثر من كاف لي، فالعمى سيء جدا لو تعلمون.
وكما كنت متوقعا رأيت متاهة كبيرة، الشيء الوحيد الذي كنت متأكدا منه، بم أبدأ؟ كان هناك مدخلان على غير ما كان، قلت اليمين أولًا، دخلته وسرت أضع يدي على أنفي وأغطي عيني، تراب كثيف يغطي الممر بأكمله، إلا أن رأيت شيئا صغيرا في زاوية، ذهبت إليه متلهفا لرؤيته، وجدته كتابا يحمل من التراب ما تعجبت من كميته، ظللت أمسح بيدي إلا أن بدت تضح بعض المعالم للعنوان (الق).... (ريم).... (القران الكريم)، بدأت أترنح من الصدمة والتعجب، استخدمت كل قوتي وملابسي لأمسح التراب عن صديقي القديم الذي غبت عنه كثيرا ورغم ذلك لم ينسني أبدا على ما فيه من العزة، فتحته وجدت الصفحات بدأت تهترئ وبعض الثقوب بدأت تتكون واختفت بعض الكلمات، أطال البعد لهذه الدرجة! حملته معي والدموع تتساقط فأبعده عن مجراها حتى لا ينتهي تماما، أكملت السير لكن حزينا ضعيفا.
حملته معي أو حملت ما تبقى منه، أسير أجر أذيال الخيبة من معركة كنت أظنني آخر من يخسر بها، أكملت السير في طريقي الذي يتخلله بعض الضوء الخافت أنظر يمنة ويسرة باحثا عن شيء إلا أن رأيت صخرة محملة بالدماء وعليها راية بيضاء وغصن زيتون، جلست أبكي بجانبها مجددا، من أنا؟ أستطاع العالم إفساد زرعة متقنة؟ أنجرفت كل هذا الانجراف؟ أرى الإنسان من دون قضيته كالسنجاب أو فأر الهامستر في تلك اللعبة الدوارة يجري بحثا عن الطعام إلا أن يتعب وينام وهكذا دواليك.
وضعت غصن الزيتون في جيبي ورأيت خيالا أرعبني فالضوء خافت، لكني كنت أعرفه، أكملت المسير محاولا التجاهل فاشلا في ذلك، وسرت وسرت وسرت، حتى وجدت هاتفا لكن لم يكن منفردا، كان متصلا بسلسلة من حديد موثقة حول شخص ما، اقتربت.....شخصت عيناي، نعم لقد كان أنا، أنا ذاك المكبل، نظرت إلى وجدتني مختلفا هذا ليس أنا، وجدت شابا عجوزا تحت عينيه ظلام دامس ذو شعر كث، لكن ما جذب انتباهي فعلا هو ذاك الانكسار الذي في عينيّ، لم أكن قبل منكسرا، سألتني: ما أوقعك بهذا؟ الهروب، ثم عم الصمت،حاولت انتزاع أي كلمة أخرى لم أستطع،حاولت فك وثاقي لكنه كان مشدودا لدرجة غريبة، أومأ لى بالذهاب.
سرت ولكن لاحظت أن حبلا صغيرا امتد من السلسلة واستمر معى سيرا كلما سرت سار معي، حتى وجدت في آخره مذياعا، طالما بتحاول يبقى أنت تمام، الحمدلله أننا واعيين، أنا عارف أنا رايح فين وووووووووووووو، أحسست بصداع وألم في رأسي شديد، ضربته بقدمي ولكن ويكأني سراب، أسرعت المسير حتى فقدت الصوت والمنظر والأثر، ولكن رأيت ذاك الخيال بوضوح أكثر.
رغم رؤيتي له بوضوح تام وتأكد شكي لا زال خيالا حتى الان مثل ما كان منذ ما كان، أكملت المسير فليس لدي خيار سوى المسير، رأيت برجا عاليا ورديا متهالكا يكاد يهوي، هامني طوله وأفزعني حاله حتى جلست إلى حائط وضعت رأسي بين رجلي، تعبت، لم أكن ذاك المتعب، غبت طويلا، تهالكت من الداخل، لم أكن أتخيل أن يصل بي الكذب إلى أن أكذب على نفسي.
أحسست بيد تربت على كتفي، خفت من الفجأة وسرعان ما ارتحت راحة كم أفتقدها، هذه ليست يدا غريبة علي، يد ساندتني وأسعدتني، عندما كانت موجودة كنت أميل ولا أسقط، لم أعتقد يوما أن تذهب، يد ظهر عليها مفاعل الزمن دون الزمن فقط من أجلي، كم من السهل والحزين جدا تذكرها، رفعت رأسي ونظرت، نعم كان هناك ليس خيالا أو حلما أو ذكرى، كان هو، عانقته عناقا شديدا يحسبه الجاهل إيذاء، اهرورق الدمع، لم أحسه من عيني، لقد كان من قلبي حتى يغسل عاما كاملا من الدنس والسواد، جفت الكلمات فقط حديث الدموع إلى الدموع.
جلست فقدمي لم أثق بها لحظتها أن تحملني، جلس بجانبي، بشعره المنسدل ووسامته المعهودة وبنيته الأصلية قبل الحرب وتلك الابتسامة التي ورثتها منه، نستعملها عندما يعجز اللسان وأكثر بعجزه.
لماذا غبتَ كل هذا؟ سنة كاملة؟ لم أعرف ماذا أفعل؟ كنت دائما هناك؟
يرد بتلك الابتسامة، أم هل كان علي أن أعرف؟ هل كنت تحضرني لكل هذا؟ يكررها -تلك الابتسامة، هل إذا أوتي الإنسان ما يستطيع به الفوز ولم يفعل يعد خاسرا؟ أتدري.... أقصى سوء يرتكبه الإنسان في حق نفسه ألا يعلم قيمتها أو ينزلها في غير منزلتها وان يرى تتهدم ولا يرممها، عانقني مجددا وتكلم أخيرا: أهلا بعودتك بني، نعم أهلا بعودتي.
رأيت مخرجا أطلت البقاء في تلك المتاهة، سرنا -معا- كالأيام الخوالي كتفا بكتف حتى خرجنا، قلت له هيا نرجع، قال: أنت تعود فهناك رسالة تنتظرك أن تكملها، أما أنا سأظل هنا بداخلك، ظللت أبنيك مني فوقتما تهت ابحث بداخلك، فوجدت الطريق الأيمن متصلا بالطريق الأيسر ثم فتحت الباب الذي دخلت منه،فتحت عيني حسنا أهلا بعودتي.انتهت.
#القصة
#كامل
#ممرات
#عقل
#قلب